استطاع العباسيون أن يمدوا نفوذهم على بقاع شاسعة من عالم ذلك الزمن، وكان خراجهم واسعا عريضا لا تغيب عنه الشمس، كما قيل.
ولم يقنعوا بما وقع تحت أيديهم من البلدان المعروفة آنذاك في آسيا وإفريقية وأوربا، بل تطلعت عيونهم إلى ما وراء نهر جيحون، من البلاد الروسية المجهولة آنذاك، حيث صحاري الصقيع الممتدة و حيث مياه الأنهار والبحار الجامدة.
وهذا، حسب علمنا المتواضع، أمر لم يجرؤ أحد من قبلهم على الإقدام عليه، بسبب ما كان يكتنف ذلك العالم المجهول، خلف النهر المذكور، من غموض، وما يحدق به من أخطار.
وكل هذا قبل أن تتضح صورة الأرض عند العرب والمسلمين تدريجيا من خلال الكتب والرسائل والمذكرات التي عنيت بالمسالك والممالك من قبل كثير من الرحالة والجغرافيين القدماء كابن خرذابة وابن حوقل والإصطخري وغيرهم كثير.
ومعلوم أن الذي شجع الجغرافيين والرحالة على رسم حدود الأصقاع والأقاليم النائية هو رغبة الدولة في تحصيل مزيد من المال والخراج. و لكن، ذهب المال والخراج إلى حال سبيله وبقي العلم والوصف والكلام مسجلا عبورهم ومرورهم بشتى أصقاع الدنيا.
فكيف كانت صورة بلاد روسيا آنذاك؟! لا شك أنها كانت تختلف تماما عما نعرفه ونراه الآن. وكيف انطبعت معالمها الأولى في أذهان أول القادمين عليها من العرب والمسلمين، سواء أكانوا من الرحالة أو الدعاة المبلغين لرسالة الإسلام، أو أصحاب السفارات الرسمية الممثلين للدولة العباسية في بعض أمورها السياسية والاستراتيجية، أو حتى من التجار الذين يجوبون بسلعهم بحثا عن أسواق جديدة أوالمغامرين والجوالين الذين يستجيبون لرغباتهم وهواياتهم الخاصة في البحث والاستكشاف.؟!
وحقيقة تلك الصورة التي يجهلها كثير منا هي ما تكشفه وثيقة نادرة نشرت، في طبعتها الأولى، عن مجمع اللغة العربية بدمشق سنة 1959، بتحقيق المرحوم الدكتور سامي الدهان، بعد أن لفتت أنظار الباحثين والمستشرقين من الروس والألمان.
ثم طبعت أيضا طبعة أخرى سهلة و ميسرة، ضمن سلسلة ( المختار من التراث العربي)، السلسلة رقم:3.
وقد صنف تلك الرسالة ابن فضلان. وهو أحمد بن العباس بن راشد بن حماد برسم الخليفة العباسي المقتدر بالله بويع بالخلافة سنة 295 هجرية وعمره لا يتجاوز ثلاث عشرة سنة، وقتل سنة 320 هجرية. ولكن رغم اضطراب أمر هذا الخليفة فقد استطاع وزراؤه القيام بأعمال كثيرة جليلة، وعلى رأسهم ابن الفرات.
وابن فضلان هو الذي عهد إليه الخليفة المقتدر رئاسة الوفد الرسمي إلى بلاد الروس والخزر والبلغار والصقالبة، بعد أن وصلت إليه إشارات من تلك البلاد البعيدة في شأن طلب العون والمساعدة. فقد كانت سمعة ومهابة العباسيين تملأ أرجاء الدنيا
المزيد