( عرض وتحليل ومناقشة )
الملخص :
هذه محاولة لدراسة جانب من إنتاج الدكتورمحمد مندورالنقدي. ويتعلق الأمر بآرائه ومواقفه من الشعر العربي القديم. وقد قصرنا جهدنا على تتبع أهم هذه الآراء والمواقف ثم تحليلها ومناقشتها، في حدود فهمنا.
ورغم أهمية وخطورة هذه الآراء والمواقف فإن مندورا لم يفرد لها كتابا مستقلا أو بحثا خاصا مستفيضا. إذ أتت متفرقة وأحيانا متكررة بتمامها أو بأجزائها في كثير من كتبه ومقالاته. وغالبا ما تأتي ممتزجة بدراسته لقضايا أدبية ونقدية أخرى متنوعة، الشيء الذي جعل أكثر الدارسين والباحثين يغفلون عنها أو يتجاوزونها إلى قضايا أخرى تتعلق بالأدب الحديث في اتجاهاته ومناهجه وفنونه ومذاهبه وأعلامه، أو بعض قضايا النقد العربي القديم في تطوره وجموده، أو في علاقته بمناهج البحث.
ولذلك فقد حرصنا على جمع أهم هذه الآراء والمواقف المبددة، بحيث تبدو معزولة عن الأفكار والقضايا العامة، ومرتبة تأخذ بعض ملامح البحث المستقل.
- التصميم :
1 - الإطار الثقافي والمؤثرات العامة في فكر ومواقف الدكتور مندور:
أ ـ الروافد الغربية.
ب ـ الروافد العربية الحديثة.
ج - الروافد العربية القديمة.
2- دعائم النقد التطبيقي وتحليل النصوص الشعرية العربية القديمة.
3- مواقفه من الشعر العربي القديم:
أ - موقفه من الشعر العربي عامة.
ب - موقفه من الشعر الجاهلي خاصة
1- الإطار الثقافي والمؤثرات العامة في فكر ومواقف الدكتور محمد مندور:
ارتبط منهج الدكتور محمد مندور النقدي بالمجال الثقافي الإنساني الواسع الذي تطورت عبره آراؤه ومواقفه؛ فقد كان بالإضافة إلى اطلاعه على أمهات الكتب العربية القديمة، واستعداده لدراسة الأدب والقانون والاقتصاد أكثر انصرافا للنهل من منابع الثقافة الإنسانية، وخاصة الثقافة الفرنسية التي كانت سائدة خلال الثلاثينيات من القرن الماضي، دون أن ننسى الأصول الإغريقية.
وقد نبه أكثر دارسي إنتاج الدكتور مندور النقدي إلى هذا الاتجاه الشمولي في ثقافته ذات النزعة الإنسانية، بل إن بعضهم يعتبر هذه النزعة أبرز صفة في نقده (1).
ورغم هذا الاتجاه الشمولي المتعدد يمكن إجمال مراحل نمو مندور الفكري، كما أوضحها هو نفسه، في مرحلتين:
أ- مرحلة أكاديمية :
وهي مرحلة تدريسه بالجامعة. وقد تأثر فيها بثقافته اليونانية القديمة والفرنسية التي حصلها ب ” باريز”. وقد أفاد منها في كتابه ”النقد المنهجي عند العرب”، وفي أبحاثه في الأدب الحديث وقضايا الأدب ومناهجه في الدراسة على نحو ما هو واضح في كتابه ” في الميزان الجديد”، فضلا عن كتابه العزيز على نفسه” نماذج بشرية “.
ب- مرحلة استقالته من الجامعة واتصاله بالحياة المباشرة (2) .
ولن نقف عند تفاصيل هاتين المرحلتين اللتين أسهمتا في تكوين وتطوير مناهج مندور النقدية التي أجملها أيضا في ثلاثة وهي: ( المنهج الجمالي أو “التأثري”، المنهج التحليلي، المنهج الموضوعي أو الأيدلوجي(3)، ولكننا نكتفي هنا بملاحظة عامة تتعلق بمجمل إنتاج مندور النقدي وهي تعدد روافده، وتنوع مجالاته التي تشمل عددا كبيرا من فنون الأدب، ومن قضاياه القديمة والمعاصرة،العربية والغربية. بالإضافة إلى مشاغله السياسية والقانونية الكثيرة، والخصومات الأدبية التي خاض غمارها في ما كتبه من كتب وفى ما نشره من مقالات.
وقد قصرنا جهدنا على مجال واحد من اهتمامات مندور. وهو مجال الشعر العربي القديم.
ويجب أولا أن نشير إلى بعض الأسس التي يقوم عليها نقد الشعر العربي عند مندور:
1 - تخضع جل آرائه ومواقفه من هذا الشعر إلى المرحلة الأولى التي أشرنا إليها سابقا؛ وهي مرحلة النقد الجمالي.
2- ظل مندور في استخلاصه لتلك الآراء والمواقف، كما أوضح في التصدير الذي مهد به لكتابه ” فن الشعر” معتمدا على نوعين من الدراسة(4):
- أولهما : الدراسات التاريخية لتطور الشعر عندنا وعند غيرنا من الأمم لكي يظل كما يقول : ” مرتكزا على ما أنتجت البشرية فعلا من شعر”(5)
- ثانيهما : النظريات الأدبية والفنية التي ظهرت عبر التاريخ. وكل ذلك لكي يستخلص في النهاية ” المقومات الأساسية التي لا يمكن أن ينهض الشعر بدونها ” (6) .
وهذا توضيح مهم من جانب مندور لأنه يؤكد المنحى الشمولي الذي أشرنا إليه سابقا، ثم ينبهنا إلى ضرورة ربط آرائه ومواقفه النقدية بشبكة من الخيوط الثقافية ذات الأصول القديمة والحديثة، وأخيرا تبين مدى استفادته منها ثم تطويعها لفهمه الخاص، ولصياغة مواقفه واستنتاجاته.
فلنقف أولا عند أهم العوامل التي ساعدت على بلورة رؤيته الجمالية التي تمثلها المرحلة النقدية الأولى، حتى نتبين مصدر كثير من آرائه ومواقفه، وكذا أصوله المنهجية في الفهم والتحليل.
أ– الروافد الغربية :
تأثر مندور في دراسته للأدب العربي القديم، خاصة بعد عودته من فرنسا سنة 1939م، بعد أن مكث بها تسع سنوات، بطريقة تدريس الأدب في الجامعات الفرنسية. وهي الطريقة التي تقوم، كما يقول، على ما يسمونه بشرح ” النصوص”؛ فقد غرس أساتذته في نفسه هناك “البحث عن الجمال في تفاصيل العمل الأدبي”( 7 ). وعماد هذا البحث الذوق الشخصي المعلل. وهذا هو مضمون المذهب التأثري أو الجمالي؛ لأن الأدب في أحد أهم المفاهيم التي يكررها في معظم كتبه “هو ما يثير فينا بفضل خصائص صياغته إحساسات جمالية وانفعالات عاطفية”.
وعلى العموم، وكما يؤكد مندور مرارا، فإن المذهب التأثري لابد منه في كل نقد لأن أي تحليل موضوعي لا يمكن أن يغني عن “التذوق الشخصي” (8).
وعلى أساس هذا التكوين أيضا صدر مندور، كما صرح بذلك، عن المذهب “التأثري”، خاصة في كتبه الأولى، “النقد المنهجي عند العرب” ثم في “الميزان الجديد” ثم “نماذج بشرية”(9) .
ومن أنصار هذا المنهج النقدي نذكر”جولي متر” و”إي ميل فاجيه”، يقول عنهما: “كنت أجد في كتبهما النقدية متعة روحية وجمالية لا نظير لها ترفع هذه الكتب إلى أرقى مستويات الأدب الإنشائي الخلاق” (10).
وبالإضافة إلى هذين الكاتبين نذكر أثر الناقد الفرنسي “جوستاف لانسون” الذي أعجب به مندور إعجابا بالغا وترجم في صدر حياته مقالته المعروفة ”منهج البحث في الأدب”، وأغرى الناس بقراءتها في صور مختلفة، كما يقول تلميذه عبد الكريم الأشتر:”وإن الإنسان ليقرأ نقده – أعني مندورا – فيجد أثر هذا الناقد حيثما اتجه فيه على الأغلب” (11) .
وعموما فقد كان لطريقة تدريس الأدب في الغرب التي اطلع عليها مندور أكبر الأثر في توجيهه إلى مجال النقد التطبيقي ومعالجة النصوص الشعرية، خاصة عند اشتغاله بالتدريس في الجامعة. وقد تحقق هذا التأثير في محاضراته التي طبعت. ونظن أنه قد حرص على أن تكون تلك المحاضرات نماذج تطبيقية لطلابه في التذوق والفهم والتحليل. ولكنها اقتصرت، فيما يخص الشعر، على بعض أعلامه من رواد حركة “البعث” و”التجديد” في أدبنا الحديث.
ب - الروافد العربية الحديثة:
تأثر مندور، قبل سفره إلى فرنسا، بالدكتور طه حسين الذي كان له أكبر الأثر في توجيهه ورعايته(12)، يقول مندور: “تأثرت قبل سفري إلى الخارج بالدكتور طه حسين في الصبر على فهم النصوص العربية القديمة، وإن كنت أعتقد أن تأثيره الأكبر كان كموجه نحو الثقافة العالمية وبخاصة اليونانية القديمة والفرنسية”(13).
أما تأثره بالأستاذ العقاد فقد كان، كما يقول، من ناحيتين: “أولاهما وصلنا ونحن شبانا بقضايا الفكر العالمية، وأما الاتجاه الثاني فقد جاءنا من حملته العنيفة هو وزميله في كتابهما “الديوان” على أدبنا العربي التقليدي ودعوتهما إلى التجديد والتطور والتقدم”
وتأثر مندور أيضا بالمازني، فقد أخذ من كتبه: “حصاد الهشيم” و”قبض الريح” ومقالاته فائدة كبرى من الناحية الجمالية(14).
وأخذ أيضا عن الدكتور محمد حسين هيكل ومن منهجه التاريخي العلمي في البحث(15).
ج - الروافد العربية القديمة :
وتأثر مندور بالإضافة إلى ما سبق، بالموروث النقدي العربي القديم. و قد أوضح بعض جوانب هذا النقد في رسالته الجامعية “النقد المنهجي عند العرب” التي قدمها لنيل شهادة الدكتوراه. و نخص هنا بعض ملامح النقد الجمالي كما تجلت في كتاب “الموازنة” للآمدي و”الوساطة” للقاضي عبد العزيز الجرجاني و كتابي: “أسرار البلاغة” و”دلائل الإعجاز” لعبد القاهر الجر جاني.
هذه هي أهم الروافد النقدية التي أثرت، فيما نظن، في تكوين منهج مندور الجمالي. وهو المنهج الذي ستأسس عليه، كما سنوضح بعد قليل، جل مواقفه من الشعر العربي القديم. وهذه الروافد تتجه في مسارين: أحدهما غربي والآخر عربي، يربط بينهما مندور هذا الربط الجمالي الذي أوضحناه. و رغم ذلك يؤكد مندور أن تكوينه لم يتم نهائيا إلا في أوربا وبفضل “الثقافة العالمية” التي استطاع تحصيلها هناك(16).
وإذن، فحديث مند ورعن الشعر العربي القديم لا ينبغي أن يعزل عن النظرية العامة للشعر، في مفهومه العام الذي استلهمه من الثقافة الأدبية الأوربية الحديثة والإغريقية القديمة، ومن الموروث النقدي العربي، بشقيه: القديم والحديث أيضا، وعند جميع أقطابه الذين امتدح ذوقهم ومنهجهم في فهم الشعر وتحليله.
2 ـ دعائم النقد التطبيقي وتحليل النصوص الشعرية القديمة:
ظل مندور رغم تطوره من المنهج الجمالي إلى المنهج الموضوعي أو الأيديولوجي حريصا على مبادئ النقد الجمالي. ويكاد مندور يقصر هذه المبادئ، في تطبيقاته، على الشعر باعتباره أصلح الأجناس الأدبية لمعالجة”التأثرية”(17) . فهو حتى في دفاعه عن الشعر”الجديد” نجده يستند إلى نفس الأسس الشعرية الخالدة بمقوماتها الثلاثة، وهي: (التصوير البياني، وومضات الوجدان، و موسيقى النغم اللغوي). على أن تنهض كل هذه المقومات وسط ما أسماه ب: “الجو الشعري”(18) .
إن مندورا يبدو تأثريا لأنه يحكم الذوق ويفضل الأسلوب الجمالي. وهو في هذا الاتجاه يلتقي مع الناقد العربي القديم الآمدي لأنه فطن، كما يقول، إلى الأهمية الكبرى التي نعلقها على “الصياغة” في الأدب (19) .
ويشرح مندور هذه العبارة مبينا حدود استعمال اللغة كوسيلة لغاية أدبية دون أن تطغى إحداهما على الأخرى فيقول:”والكاتب أو الشاعر هو من فطن إلى هذه الحقيقة ويكون من حسن الذوق وسلامة الحس بحيث يقيم النسب الدقيقة بين اللغة كوسيلة، واللغة كغاية في الأدب. فلا يسرف في اعتبارها وسيلة لأنه يحرم نفسه من عناصر هامة في التأثير؛ عناصر التصوير، وعناصر الموسيقى، و يحذر كذلك من أن ينظر إليها كغاية، فيأتي أدبه وشعره وقد غلبت عليه اللفظية وخلا من كل مادة إنسانية فكرا وإحساسا.
ومشكلة كهذه: أي حدود اللغة كوسيلة لغاية لا يمكن أن تحل نظريا، كما يرى مندور”وإنما يكتسب الإنسان إحساسا صادقا بحدودها بكثرة المران على النقد والنظر في مؤلفات كبار الكتاب والشعراء الذين نجحوا في هذا السبيل”(20) . ومن هؤلاء النقاد الذين نجحوا في هذا السبيل الآمدي. وقد عمد إلى نقل كثير من تعليقات هذا الناقد في كتابه “النقد المنهجي عند العرب”(21). ولا يخفي مندور إعجابه الشديد بهذا الناقد، فهو يعده أهم وأجدى مرجع لمعرفة الجمال والقبح في الاستعارة من كثير من مجلدات البيانيين. فهو تدريب للذوق وتبصير بمواضعه(22).
ويلحق القاضي عبد العزيزالجرجاني بالآمدي في مسألة الذوق. فكلاهما يفضل الشعر المطبوع على الصناعة(23). وإن تميز الجرجاني أكثر بنزعته الإنسانية التي يرد إليها كثيرا من آرائه في النقد. وهو في ذلك يختلف عن الآمدى الذي يغلب عليه النقد الفني الخالص، نقد الصياغة في ذاتها وعلاقاتها بطرق أدائها(24). وأعجب مندور أيضا بمنهج عبد القاهر الجر جاني ورأى فيه مزيجا من النحو والمعاني. والأساس في هذا المنهج، كما يبين مندور، هو النحو بشرط أن يشمل المعاني أيضا وأن لا يقف عند حدود الصحة اللغوية بل يتعداها إلى الجودة الفنية(25) .
حاولنا، فيما سبق وبتركيز شديد، أن نقف عند الإطار النظري والتطبيقي لآراء مندور ومواقفه التي سنعرض لها فيما يأتي. وهو إطار يستند على رؤية منهجية ذات صبغة جمالية تحاول أن تجد لها سندا في النقد القديم والحديث .
3- مواقف مندور من الشعر العربي القديم :
أ - موقفه من الشعر العربي عامة :
كان مندور، في حملته العنيفة، على ما أسماه ب “أنصار التقليد” و “البديع” شعراء وبلاغيين متسلحا بالرؤية الجمالية التي أوضحناها سابقا؛ ذلك أن انتصار البديع على”عمود الشعر”يعتبر في نظره، “أقوى ضربة نزلت بالشعر العربي، وما زالت حتى أحالته في عصوره المتأخرة إلى زخارف لفظية خاوية حرمته من كل جدة فكرية أو عاطفية أو فنية”(26).
وقد عمم مندور هذا الموقف السلبي على كل عصور الأدب العربية التي تلت العصر العباسي المتأخر خاصة،
المزيد