هذه باقة صغيرة من نوادر الأعراب في شهر الصوم، لا نريد منها التقليل من قدرهم، أو التشكيك في إيمانهم، أو السخرية منهم. وقد التقطناها، كما هي، من بعض كتب الأدب والطرائف التي تداولتها عبر الحقب. وقد وردت في سياقات مختلفة ولمقاصد متعددة، ليس هنا مجال درسها وفحصها، حتى لا نـُضيع على القارئ الكريم فرصة الاستفادة والمتعة.
وربما بدا للقارئ الكريم من تلك النوادر أن انفعالهم قد يسبق تفكيرهم، وأن صراحتهم قد تـَصدِم غير المعتادين على طباعهم، غير أن شفافيتهم التي تصل حد السذاجة كانت تشفع لهم ما يصدر عنهم من قول أو فعل غير متوقعين منهم. ومن هنا تتولد عناصر الدهشة والرغبة لدى الناس في تتبع أخبارهم ومفارقاتهم العجيبة، لأنهم يصدرون في كلامهم عن طبع وأصل محافظ لم يتغير. وتلك هي الحلقة المفتقدة على الدوام بين جيل سابق وآخر لاحق.
وكأن الناس يبحثون من خلال أجوبة الأعراب تلك عن أصولهم الفطرية التي أضاعوها في دروب ومتاهات المدنية الزائفة. وفي هذا عنصر تفوق ينبغي أن يحسب للأعراب لا أن يحسب عليهم.
ولذلك كان الأعراب أكثر الناس تعرضا للسؤال والاختبار من لدن خاصة الناس وعامتهم؛ فحيثما وجد الأعرابي، خارج بيئته المعهودة، انهالت عليه الأسئلة من كل حدب وصوب. فتعددت الأسئلة الموجهة إليهم، وتعدد السائلون والمستخبرون عن أحوالهم، وتنوعت أهدافهم ومقاصدهم منها، حتى تشكلت لدينا معرفة عظيمة وعميقة مصدرها الأساسي أجوبة ومواقف أولئك الأعراب. وقد لا تمثل طرائفهم ومفارقاتهم إلا جزء يسيرا منها.
ومع الأسف، فقد تعلق الناس بطرائف الأعراب فقط وأعرضوا عن علمهم ومعرفتهم الفطرية الغزيرة. وقد رجعت إلى كثير من المواقع والأندية فوجدت أن حديثهم عن الأعراب كله من باب السخرية والتسلية…!!
وهذا الجانب المهمل من علم الأعراب ومعرفتهم وخبرتهم بالحياة والناس موجود في معظم كتب التراث العربي. ويمكن للقارئ القارئ الكريم أن يستخلص منها بنفسه ما يتوافق مع حقيقة الأعراب في البادية ومايظن أنه لا يتوافق مع حقيقة الناس العاديين في المدينة، والعكس بالعكس صحيح أيضا؛ وكأن الصدام والاختلاف في جوهره يكون بين مكان ومكان، أو زمان وزمان، وليس بين إنسان وإنسان؛ لأن الإنسان في جوهره وحقيقته واحد، ولا يمكن أن يتجزأ إلا لعوامل عنصرية أو حقد اجتماعي أو صراع طبقي بغيض، أو لأسباب اعتبارية مجحفة.
فمن أسرار الإنسان العجيبة أنه يمكن أن يتلبس ظروف الزمان والمكان المختلفة، فيأخذ من طباع السهول والجبال وال
المزيد