تاريخ إنشاء هذه المدونة : 14 /  12 / 2005  ـــــــــ  بريد المراسلة: abousouha@gmail.com 


حكايات هامشية (3).

يناير 30th, 2008 كتبها عبد اللطيف المصدق نشر في , حكايات هامشية

الحلقة الثالثة: لغز الخوف من عوالم البرية.

قد لا يحتاج أحد القراء مثلي ممن قضوا شطرا من حياتهم يجوبون الأحراش والبراري، وممن تلونت جلودهم بلون الشمس القمحي، وكرعوا الماء بأفواههم عند طرف جدول أو غدير إلى تعريف ما لعوالم البرية. فهذه العوالم ينبغي أن تعرف ولا تـُعرَّف أو توصف.
 ولكنني أدرك أن كثيرا من أطفال اليوم قد لا يعرفون من معانى البرية، فضلا عن حكايات البرية العجيبة إلا ما ارتسم في أذهانهم الصغيرة من وراء شاشة التلفاز، أو من خلال القصص المصورة ل(ترزان) أمير البرية وصديق الحيوان.

ولهذا تراهم يرتعدون خوفا كلما رأوا صرصورا أو فأرا صغيرا، ويتجمدون في مكانهم من الفزع والهلع يبكون ويستغيثون كلما اعترض طريقهم قط من قطط الشوارع، ويرتفع بكاؤهم ونحيبهم في عنان السماء أكثر كلما دنا منهم ذلك القط السمين البطيء المترهل الأشعث الأغبر، ويتضاعف الخوف والصراخ والعويل أكثر وأكثر، وكأن القيامة قد قامت عندهم، كلما تجرأ ذلك القط وتمسح بوقاحته المعهودة بأرجلهم الصغيرة الغضة الطرية، أو داعبهم بذيله المعقوف الطويل، أو هم بلعق أحذيتهم اللامعة بلسانه الأحمر الصغير، ليس لخبثه ولا لرغبته اللعينة في التحرش شأن بعض القطط الآدمية ذات الجاه والوجاهة والمال والأظافر والخناجر، وإنما لبعض الفضول الذي تعلمه من عادته الطويلة في حشر رأسه الصغير في القمامات وفي كل شيء، أو ربما لأنه يتخيلهم في هيأة دمى متحركة صنعت توا للعب والمداعبة لما هم عليه من حسن الترتيب والتلميع والتصفيف وحسن الهندام. أو ربما لأنه يقصد فقط، وبشكل غريزي وطبيعي، أن يكسر حاجز الخوف القابع في نفوسهم والجاثم على صدورهم بتلك المداعبة اللطيفة.

كما أعلم أن معظم أطفالنا اليوم ما عادت عيونهم تصافح هالة القمر المستديرة في السماء، ولو مرة واحدة في الشهر أو في السنة، وكأنهم قد دفنوا بالحياة داخل مربعات ومستطيلات الحديد والزجاج والبلاستيك والإسمنت والإسفلت.

كما أن معظم أطفال اليوم لا تستطيع عيونهم الرطبة من فرط إدمان النظر في شاشة الهاتف النقال وأجهزة اللعب الإلكتروني أن تقع على ضوء الشمس إلا من وراء زجاج النظارات السميك الداكن، كما لا تستطيع جلودهم البضة الفتية أن تصبر، ولو لدقائق معدودة، للفح شمس النهار إلا بدهن مرطبات الجلد والمراهم.

 ولذلك ينبغي، من الآن فصاعدا أن نعد الأعذار لأطفالنا في المستقبل القريب إذا ما رسموا ل

المزيد


حكايات هامشية (2).

يناير 29th, 2008 كتبها عبد اللطيف المصدق نشر في , حكايات هامشية

الحلقة الثانية: مفاهيم أولية.

لو سألني أحدكم: ما هو أقصر تعريف لأطول حكاية من الحكايات الكلامية لأسرعت وأجبت: إنه بكل بساطة لعبة توليد الكلام من الكلام بالكلام.

ما أروع  هذا الكلام البشري إذا، عندما يبدأ في التململ والتمدد من تحت اللسان ( المرء مخبوء تحت لسانه ) ليستوعب في عباءته الفضفاضة ما لا تستطيع أن تراه كثير من الأعين المجردة المبحلقة كالمشدوه المعتوه في البياض والفراغ، أو تدركه كثير من العقول الخاملة التي لا تستطيع أن تستيقظ من الغفلة والنوم والضياع رغم الوخز الشديد ورغم التكرارفي كل مرة بالتشديد والإلحاح.

وما أقدر سحر الحكاية وهي ابنة الكلام بالشرع أو التبني حين تستطيع أن تصنع من لاشيء أي  شيئ، ومن شيئ شيئا يشبه الشيء أو اللاشيء ( أعتذر لكم عن لغة التشييء وما قد ينتج عنها من تشويش )، ومن الحبة قبة، ومن القبة حبة، ومن القملة بقرة ومن الفيل نملة، ومن حبة شعير نخلة مثمرة ومن زهرة الياسمين خشخاشا أو حنظلة…

ما أجمل سحر الكلام وما ألطفه وما أوسخه وما أقذره، وما أعظمه وما أتفهه… ، ومع كل هذا وذاك من نقائص الكلام فإن من أمر بيانه لسحرا…

والشيء العجيب والغريب في أمر الكلام عند العرب أن يشبهوه بالماء، ربما لأن لديه قابلية التحول إلى ما يشبه عنصر الماء عندما يكون في وضعه الطبيعي الخالص الصرف عاريا من صفات الألوان والأطعمة والأذواق والروائح المضافة إليه لاحقا.
ومع أن الماء بلا ملامح ولا صفات معلومة يمكن أن تعرف أو تذكر، فإنه يبقى الأصل الأول لكل لون حي أو جامد في الطبيعة كلها، ولكل مأكول أو مشروب أو مشموم مما لا يمكن أن يعد أو يحصى من الأشكال والأصناف والألوان لدى جميع الناس على هذه الكر

المزيد


حكايات هامشية (1).

يناير 29th, 2008 كتبها عبد اللطيف المصدق نشر في , حكايات هامشية

الحلقة الأولى: خواطر وأوراق مختلطة.

لأول مرة سأجرب عبر كلماتي العابرة حظي العاثر في كتابة حكاية خيالية واحدة بعد كل هذا الكلام الواقعي المعقول والجاد الذي قلته على مدار عامين كاملين أو يزيد قليلا من الكتابة والتدوين.

صراحة أخشى أن أجوب لوحدي داخل مملكة الخيال السردي الآسرة العجيبة، وليس معي إلا خواطري المشتتة وذكرياتي البعيدة التي تلوح لي في نهاية الأفق البعيد كلمع سراب خادع أو كرقع مختطلة الأحجام شاحبة الألوان والتفاصيل على قميص درويش مجدوب لا له ولا عليه، منزو على عتبة ضريح بعيد متوار خلف التلال والجبال يطلب الدفء من خيوط الشمس اللذيذة في صبيحة نهار بارد لجسمه وقمله الذي يسكن بين جوانحه وثيابه الرثة، ويلتمس كثيرا من الراحة والسلامة لنفسه بعد أن يئس وتعب من صلاح الناس كافة.

سأحاول أن أنسج هذا القميص السردي ( نسبة إلى السرديات، بمفهوم الحكي، وليس إلى نوع الخروف المعروف كبش الفداء والتضحية، بالمفهوم المتداول عند المغاربة عند حلول العيد الكبير ) مما تبقي لي من رقع الخواطر والذكريات, لكن على مقاسي الخاص وليس على مقاس يوسف أو عثمان أو علي أو أي شخص مشرد أو مطرود أو ذبيح أو مظلوم أو منبوذ أو ضحية من ضحايا عالمنا القديم والجديد.

 وأنا هنا في هذه الفسحة الافتراضية لا أعرض هذا القميص هنا للمتاجرة والمزايدة العلنية أو السرية ما دمت حيا, ولا أرجو من وراء ذلك جزاء ولا شكورا، ولا أستجدي إطراء أو تعليقا، وإنما فقط للإمتاع وا

المزيد