الحلقة الثالثة: لغز الخوف من عوالم البرية.
قد لا يحتاج أحد القراء مثلي ممن قضوا شطرا من حياتهم يجوبون الأحراش والبراري، وممن تلونت جلودهم بلون الشمس القمحي، وكرعوا الماء بأفواههم عند طرف جدول أو غدير إلى تعريف ما لعوالم البرية. فهذه العوالم ينبغي أن تعرف ولا تـُعرَّف أو توصف.
ولكنني أدرك أن كثيرا من أطفال اليوم قد لا يعرفون من معانى البرية، فضلا عن حكايات البرية العجيبة إلا ما ارتسم في أذهانهم الصغيرة من وراء شاشة التلفاز، أو من خلال القصص المصورة ل(ترزان) أمير البرية وصديق الحيوان.
ولهذا تراهم يرتعدون خوفا كلما رأوا صرصورا أو فأرا صغيرا، ويتجمدون في مكانهم من الفزع والهلع يبكون ويستغيثون كلما اعترض طريقهم قط من قطط الشوارع، ويرتفع بكاؤهم ونحيبهم في عنان السماء أكثر كلما دنا منهم ذلك القط السمين البطيء المترهل الأشعث الأغبر، ويتضاعف الخوف والصراخ والعويل أكثر وأكثر، وكأن القيامة قد قامت عندهم، كلما تجرأ ذلك القط وتمسح بوقاحته المعهودة بأرجلهم الصغيرة الغضة الطرية، أو داعبهم بذيله المعقوف الطويل، أو هم بلعق أحذيتهم اللامعة بلسانه الأحمر الصغير، ليس لخبثه ولا لرغبته اللعينة في التحرش شأن بعض القطط الآدمية ذات الجاه والوجاهة والمال والأظافر والخناجر، وإنما لبعض الفضول الذي تعلمه من عادته الطويلة في حشر رأسه الصغير في القمامات وفي كل شيء، أو ربما لأنه يتخيلهم في هيأة دمى متحركة صنعت توا للعب والمداعبة لما هم عليه من حسن الترتيب والتلميع والتصفيف وحسن الهندام. أو ربما لأنه يقصد فقط، وبشكل غريزي وطبيعي، أن يكسر حاجز الخوف القابع في نفوسهم والجاثم على صدورهم بتلك المداعبة اللطيفة.
كما أعلم أن معظم أطفالنا اليوم ما عادت عيونهم تصافح هالة القمر المستديرة في السماء، ولو مرة واحدة في الشهر أو في السنة، وكأنهم قد دفنوا بالحياة داخل مربعات ومستطيلات الحديد والزجاج والبلاستيك والإسمنت والإسفلت.
كما أن معظم أطفال اليوم لا تستطيع عيونهم الرطبة من فرط إدمان النظر في شاشة الهاتف النقال وأجهزة اللعب الإلكتروني أن تقع على ضوء الشمس إلا من وراء زجاج النظارات السميك الداكن، كما لا تستطيع جلودهم البضة الفتية أن تصبر، ولو لدقائق معدودة، للفح شمس النهار إلا بدهن مرطبات الجلد والمراهم.
ولذلك ينبغي، من الآن فصاعدا أن نعد الأعذار لأطفالنا في المستقبل القريب إذا ما رسموا ل
























