تاريخ إنشاء هذه المدونة : 14 /  12 / 2005  ـــــــــ  بريد المراسلة: abousouha@gmail.com 


رسالة مقامية رمزية هزلية لركن الدين الوهراني (10)

مارس 16th, 2006 كتبها عبد اللطيف المصدق نشر في , الرسائل والكتابة الفنية على عهد الدولة الموحدية

 
     أخبار ركن الدين الوهراني، هذا الكاتب المغربي المغمور قليلة جدا، مع أن أحواله في الكتابة عجيبة، ومدى الخيال في رسائله عريض فسيح، وباعه في النقد والسخرية والتجريح والصراحة طويل؛ فلم يكن يخشى انتقام وزير أو سطوة أمير، يمزج في كتابته بين أسلوب الرسائل في الديباجة و مراعاة الألقاب، على سبيل السخرية والتهكم، وأسلوب الخطابة في الجدل والاحتجاج بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والشعر والأمثال، في سياقات مناسبة كثيرا ما يختلط فيها المدنس بالمقدس، وبأسلوب المقامة في ربط الأحداث بعنصر المكان، دون التقيد بباقي عناصر كتابة المقامة المعروفة، وبأسلوب كتابة الرحلة التي كانت دائما توحي للوهراني بمشاعر الغربة والوحشة والتبرم من الناس، وخاصة بعد إخفاقه الذريع في رحلته إلى بلاد المشرق، وكساد بضاعته الأدبية هناك عندما قامت دولة الكتابة الفاضلية التي لم يكن يشق لها غبار.
 
     وعندما تجرع مرارة الخيبة تحول عن الجد إلى الهزل، وجنح في كتابته إلى السخرية من الزمن و أهله وأمكنته، وإلى التصوير الكاريكاتوري الفاضح للعورات النفسية والجسمية والعقلية لكثير من شخوصه الذين سلط عليهم جام غضبه، ولم يتورع عن ذلك حتى عند مخطابته لكبار زعماء عصره، كنور الدين محمود الشهيد الأتابكي، وخلفه صلاح الدين الأيوبي، رغم ما عرف عنهما من سداد وصلاح، ثم بقية وزرائهما وأعوانهما الكبار من قبيل القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني والعماد الكاتب الأصبهاني، فما بالك بمن هم دون ذلك، أو من هم على شاكلته من الكتاب والفقهاء والعلماء والأدباء العاديين الذين كان يحلو له دائما أن يلهو بهم ويعبث بسيرتهم.
فكل واحد من رجالات عصره الذين عرفهم، عن بعد أو عن قرب، قد أصابه ما أصابه من لسان الوهراني الساخر، تارة بالتصريح، وتارة بالرمز والتلميح، حتى صار أسلوبه معروفا لدى القاصي والداني، كما يدل على ذلك كلام ابن خلكان في هذه السطور القليلة التي خصصها له، عندما أفرد له ترجمة  في كتابه (وفيات الأعيان)، وقد أثنى فيها ثناء كبيرا على أدبه الغزير الذي يشمل رسائل ومقامات ومنامات.
 والمنامات فن شبيه بالمقامة والرسالة، نهج فيها نهج المعري في رسالة الغفران، في افتعال الأحداث الأخروية عند الحشر، وقد تميز الوهراني بها عمن سواه من الكتاب، وخاصة منامه الكبير، قال عنه:
 
    أبو عبد الله محمد بن محرز بن محمد الوهراني الملقب ركن الدين، وقيل جمال الدين؛ أحد الفضلاء الظرفاء، قدم من بلاده إلى الديار المصرية في أيام السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، وفنُّه الذي يمت به صناعة الإنشاء، فلما دخل البلاد ورأى بها القاضي الفاضل وعماد الدين الأصبهاني الكاتب وتلك الحلبة علم من نفسه أنه ليس من طبقتهم ولا تنفق سلعته مع وجودهم، فعدل عن طريق الجد وسلك طريق الهزل، وعمل المنامات والرسائل المشهورة به والمنسوبة إليه، وهي كثيرة الوجود بأيدي الناس، وفيها دلالة على خفة روحه ورقة حاشيته وكمال ظرفه، ولو لم يكن له فيها إلا المنام الكبير لكفاه، فإنه أتى فيه بكل حلاوته، ولولا طوله لذكرته، ثم إن الوهراني المذكور تنقل في البلاد وأقام بدمشق زمانا، وتولى الخطابة بداريا، وهي قرية على باب دمشق في الغوطة.
 
     وتوفي في سنة خمس وسبعين وخمسمائة(575 هج) بداريا، رحمه الله تعالى، ودفن على باب تربة الشيخ أبي سليمان الداراني. نقلت من خط القاضي الفاضل: وردت الأخبار من دمشق في سابع عشر رجب بوفاة الوهراني.

     وهذا الآن، نص رسالة الوهراني العجيبة في مضمونها وأدائها، وقد جاءت على شكل محاورات تأخذ شكل مكاتبات ومجاوبات شبيهة ببعض الفصول المسرحية، وتبدأ ديباجتها بسرد الراوي المجهول لوقائع الأحداث الأولى، على طريقة بناء المقامة الذي يتبع في الأصل أسلوب المحدثين في إسناد الخبر.
 
    ثم يمضي الوهراني بعد ذلك في نسج خيوط قصته أو حكايته تدريجيا، حتى يصل بها إلى نهايتها المحتومة.
 وقد أسند بطولتها بطريقة رمزية إلى جامع (جلق) وهو جامع بني أمية الكبير في دمشق، وتحت سلطته تنضوي بقية مساجد دمشق ومشاهدها وأضرحتها.
 وقد اجتمعت كلها عند هذا المسجد الجامع الذي كان لها بمثابة الملك، للمشاورة والمحاورة، وليدلي كل طرف بشهادته، في أداء خطابي، وبطريقة تناوبية وتراتبية، على سوء أحواله وضياع حقوقه، ثم بعد ذلك تتوحد كلمة المسجد الجامع مع من تحته من الأضرحة والمشاهد في خطاب واحد شاهد على لسان حالها، ثم يرسل إلى القيم على شؤونها، وهو سعد بن أبي عصرون، لعله ينظر في أمرها ويصلح ما اختل من بنائها.
 
      وعندما فوجئت المساجد برد ابن عصرون المخيب لآمالها اضطرت إلى رفع أمرها إلى الملك العادل نور الدين محمود الأتابكي، وعندها فقط يأتي الفرج على يد هذا الملك العادل الذي سيرفع عنها ما كان قد حل بها من إهمال ونهب لحقوقها وأوقافها، وليعزل ابن عصرون الذي اتهمه الوهراني بتعطيل مصالحها.
 
     لقد بنى الوهراني رسالته على هذا الشكل لتأتي متطابقة مع حقيقته الشخصية، فقد كانت حياته في المشرق شديدة الصلة بالمساجد والمشاهد والأضرحة التي كانت ملاذه الأول في مرحلة الضياع والتشرد وفي مرحلة الانتعاش والاستقرار، عندما انتبه بعض الفضلاء إلى علمه وفقهه، فأسندوا إليه الخطابة في مسجد صغير بقرية (داريا)،  وهي ضاحية من ضواحي دمشق المدينة التاريخية الشهيرة.
 وقد ساءه حاله كما ساءه حالها، وكانت غربته جزء من غربتها عندما آل أمرها هي الأخرى إلى الإهمال والضياع. إنه مظهر من مظاهر توحد الفقيه العربي عامة والمغربي خاصة بالأماكن المقدسة في جغرافية العالم الإسلامي، ولطالما كانت تلك المساجد وتلك المشاهد والأضرحة الملاذ الأخير لكثير من المنبوذين والمثقفين والمهمشين في تاريخنا القديم، فهل كانت رسالة الوهراني هذه نوعا من الوفاء بحقها تجاهه عندما رعته وآوته، في الوقت الذي تحاماه الناس وجفوه وأقصوه؟؟!!
 وهل ينتبه إليه الدارسون المعاصرون، بعد أن صدرت مجاميع كتاباته، منذ سنة 1968م، ثم ليطويها بعد ذلك النسيان،عدا بعض الإشارات العابرة هنا وهناك!!
 وعسى أن نكون في هذا الإدراج وفي إدراجين سايقين(2) قد سلطنا بعض الأضواء على حقيقة هذا الكاتب المغربي المغمور حتى يجد العناية التي تليق بمجهوده.
 
 
     نص الرسالة:
 
 قال بعض العارفين بطريق الانتحال على لسان الحال:
 
   لما تحكمت يد الضَّياع في مساجد الضِّياع، وأُرْتِج باب العدل وغُلق، ونُبذ الكتاب وخُلق، فزعت المساجد إلى جامع (جِلَّق)، وهو يومئذ أميره، وعليه مدار أمرها.
 
   فلما اجتمعوا على بابه، ودخلوا تحت قبته ومحرابه، كتب له جامع (النَّيرب) قصة إليه، وسألوا عرضها عليه، وكانت الرقعة مسطورة على هذه الصورة:
 
   المماليك ـ مساجد الكورة ـ يقبلون الأرض بين يدي الملك المعظم، البديع الرفيع المكرم، كهف الدين، جمال الإسلام والمسلمين، مدفن الأنبياء والمرسلين، ملجأ الفقراء والمساكين، مأوى الغرباء والمقلين، بيت الأتقياء والصالحين، معبد الملبين، صاحب الدواوين، ب


المزيد


رسالة ابن عَميرة المخزومي الأندلسي في الوصف التسجيلي (9)

مارس 14th, 2006 كتبها عبد اللطيف المصدق نشر في , الرسائل والكتابة الفنية على عهد الدولة الموحدية

 
 
أ - رسائل الوصف التسجيلي ( الوثائقي ):
 
     كانت الرحلة مصدر علم وأدب غزيرين، وفي الكتب الخاصة بالرحلات المعروفة؛ كرحلة ابن جبير والعبدري وابن بطوطة وغيرها نماذج مفيدة وممتعة لهذا الوصف التسجيلي، تفي بحاجة المؤرخ المستخبر والأديب المتذوق.
 
    ويمكن أن نضيف إلى كتب الرحلات الكبيرة المعروفة رسائل الكتاب الخاصة القصيرة المجهولة المتعلقة برحلاتهم وزياراتهم وبمشاهداتهم ومعاناتهم خلال  حركاتهم وتنقلاتهم عبر الأمكنة والأزمنة المختلفة.
 
    وكان كتاب الأندلس أكثر من تناول موضوع رحلاتهم وتنقلاتهم الشخصية بالتسجيل والتوثيق، نتيجة لاضطراب موجة الحياة العامة في الأندلس التي كانت تقذف بهم تارة إلى العدوة المغربية القريبة، وتارة إلى البلاد المشرقية البعيدة، وتارة أخرى إلى داخل ممالك الأندلس النصرانية، وخاصة بعد أن قويت حركة الجلاء التي أعقبت سقوط دولة الموحدين بالأندلس، كما مر معنا في الإدراج السابق، عند حديثنا عن الكاتب ابن الأبار.
 
    وقد كتب أبو المطرف بن عَميرة الأندلسي صديق ابن الأبار ورفيقه في درب الكتابة والأدب والكفاح رسائل كثيرة من هذا النوع سجل فيها مذكراته وانطباعاته عن أحوال سفره ومعاناته في الرحلة بين كثير من جهات العدوتين.
 وهذا سجل ملخص عن سيرته وحياته التي توزعت بين الأندلس والمغرب وتونس:
 
     هو أحمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن أحمد بن عَميرة(1) المخزومي، ولد في جزيرة شُقْر الأندلسية الموصوفة عند المؤرخين والجغرافيين بجمالها وحسن منظرها، سنة 582 هجرية، وبها نشأ وفيها أهله الذين كان يعود إليهم بين الفينة والأخرى كلما انتهى من تجواله، وسكن بلنسية زمنا بحكم دراسته ووظيفته، كما تنقل بين كثير من المدن الأندلسية الأخرى بحثا عن العلم والمجد والحظوة. فقد كتب عن أبي عبد الله بن حفص في بلنسية ، وعن واليها السيد أبي زيد كصديقه ابن الأبار، كما كتب عن ابن هود في مرسية، وتقلد منصب القضاء بشاطبة.
 
     وعندما ساءت الأوضاع بالأندلس، وبدأت حركة الجلاء توجه إلى المغرب سنة 637 هجرية، فكتب عن الخليفة الموحدي الرشيد بمراكش قبيل انقراض دولة الموحدين نهائيا، وتقلد منصب القضاء في بعض المدن المغربية كهيلانة والرباط وسلا ومكناسة، وبقي في بلاد المغرب إلى سنة 646 هجرية.
 
     وبعد هذه السنة انتقل إلى بلاد إفريقية ( تونس) حيث بلاط الحفصيين، وبقي فيها إلى أن وافته المنية سنة 658 هجرية. وفي أثناء ذلك تقلد منصب القضاء كعادته في بعض الجهات الحفصية إلى جانب مناصب سياسة أخرى؛ فقد كانت صلته ببلاط الحفصيين وطيدة ومتمكنة، وربما يرجع ذلك إلى خبرته ودبلوماسيته، وحسن مداخلته للناس خاصتهم وعامتهم بخلاف صديقه ابن الأبار الذي سجل عليه بعض من ترجموا له أنه كان ضيق الخلق، وصريحا وعنيفا في لومه و

المزيد


رسالة ابن الأبار في الشفاعة لفك أسر أسير (8)

مارس 13th, 2006 كتبها عبد اللطيف المصدق نشر في , الرسائل والكتابة الفنية على عهد الدولة الموحدية

 
     لرسائل الشفاعة والتوصية بالإخوان قيمة إنسانية كبيرة في أدب الرسائل تقربها من كتاب ( الفرج بعد الشدة) للتنوخي، وخاصة عند اضطراب أحوال الناس، ونشوب الفتن، ووثوب الطامعين المتربصين على الحكم، وما يتبع ذلك من أهوال وإرجاف، كما حصل في العهد الأخير من حكم الموحدين الذي تميز بالضعف والفوضى وتناثر أشلاء إمبراطوريتهم العظيمة، حيث تمكن نصارى الأندلس من استرجاع كثير من المدن الأندلسية وإجلاء المسلمين عنها، في اتجاه بعض الدول الناشئة التي استأثرت بالحكم في شمال إفريقيا، كبني مرين في المغرب الأقصى أو المغرب، وبني عبد الواد في المغرب الأوسط أو الجزائر، وسلالة الحفصيين بالمغرب الأدنى أو تونس.
 
وفي تلك اللحظات العصيبة جرد الكتاب أقلامهم، وصرفوا بلاغتهم لخدمة إخوانهم ومواطنيهم الذين تقاذفتهم أمواج الحياة السياسية المضطربة لتخليصهم من محنهم وفك أسرهم وطلب الشفاعة لهم عند ذوي الأمر من الأمراء والرؤساء، كما في هذه الرسالة القصيرة التي سندرجها بعد قليل، وهي من إنشاء الحافظ الكاتب أبي عبد الله  بن الأبار القضاعي الأندلسي.
 
     وهذه بعض تفاصيل حياته الأخيرة في بلاط الحفصيين بتونس حيث امتحن في نهاية حياته مرة أخرى بعد محنة الجلاء عن الأندلس، وحيث نكب كما نكب أبو جعفر بن عطية من قبله:
 
     فقد ذكر ابن خلدون عنه أنه ( من مشيخة أهل بلنسية، وكان علامة في الحديث ولسان العرب، وبليغاً في الترسيل والشعر. كتب عن السيد أبي عبد الله بن أبي حفص بن عبد المؤمن ببلنسية. ثم عن ابنه السيد أبي زيد. ثم دخل معه دار الحرب حين نزع إلى دين النصرانية، ورجع عنه قبل أن يأخذ به. ثم كتب عن ابن مردنيش. ولما دلف الطاغية إلى بلنسية ونازلها بعث زيان بوفد بلنسية وبيعتهم إلى الأمير أبي زكريا، وكان فيهم ابن الأبار هذا الحافظ، فحضر مجلس السلطان وأنشد قصيدته على روي السين يستصرخه.)
وهذه القصيدة التي أوما إليها ابن خلدون من غرر القصائد العربية في النجدة والاستصراخ، ويوجد نصها كاملا في كتاب ( أزهار الرياض) ومطلعها:
 
أدرك بخيلِك خيلِ الله أندلُسا
                إن السبيل إلى منجاتها درســــا
وهب لها من عزيز النصر ما التمست
                فلم يزل منك عز النصر مُلتمسا
وحاشِ مما تُعانيه حشاشتُهـــــــــــــا
                فطالما ذاقت البلوى صباح مسا
ياللجزيرة أضحى أهلُها جـــــــــــزرا
                للحادثات وأمسى جَدها تعِســــا
 
       ثم ذكر ابن خلدون أن السلطان الحفصي بادر بإغاثتهم وشحن الأساطيل بالمدد إليهم من المال والأقوات والكسي فوجدهم في هوة الحصار، إلى أن تغلب الطاغية على بلنسية. ورجع ابن الأبار ب

المزيد


رسالة أبي جعفر بن عطية في الاستعطاف(7)

مارس 11th, 2006 كتبها عبد اللطيف المصدق نشر في , الرسائل والكتابة الفنية على عهد الدولة الموحدية

 
      مرت معنا بعض رسائل أبي جعفر بن عطية الرسمية التي عبر فيها باقتدار عن إرادة الموحدين وسياستهم. وفي هذا الإدراج نريد أن نسلط الأضواء على قصة نكبة هذا الكاتب على يد الخليفة عبد المومن. وهذه القصة  تشبه في بعض تفاصيلها قصة نكبة الشاعر ابن عمار على يد صديقه وولي نعمته المعتمد بن عباد. وكان ابن عباد قد أظهر تحولا وقساوة في القلب بعدما أوغر صدره عليه حساده ومناوئوه، ولم تستطع أشعار التوسل الرقيقة التي بعث له بها من سجنه أن تعطف قلبه أو تطفئ نار غيظه على صديق عمره وتوأم روحه فبادر إلى قتله.
 
     وأبو جعفر هو ذو الوزارتين أحمد بن جعفر بن عطية القضاعي من أهل مراكش، وأصله القديم من طرطوشة، ثم دانية بالأندلس. وكان قد كتب أول مرة عن علي يوسف بن تاشفين أمير المرابطين، وعن ابنيه تاشفين وإسحاق، إلى أن استخلصه لنفسه عبد المومن بن علي عندما آل حكم الموحدين إليه، في قصة مشهورة، وأسند إليه وزارته، فنهض بأعبائها على أحسن وجه وحسنت سيرته وشاع فضله بين الناس إلى أن وجد حساده السبيل إلى التدبير عليه والسعي به، فأوغروا صدر الخليفة عليه فاستوزر عبد السلام بن محمد الكومي الذي سعى في التماس عوراته، والتشنيع عليه، وقيل في تفسير تغير أمر عبد المومن عليه أنه أفشى له سرا.
 وحدثت كل تلك الوشايات والدسائس أثناء غيابه بالأندلس، فلما تناهى إلى علمه خبر تلك السعايات قلق وعجل الانصراف إلى مراكش، فحُجب عند قدومه ثم سِيق إلى المسجد حاسِر العمامة، وأخذت الشهادات في حقه من الناس على طبقاتهم كل بما اقتضاه هواه، وأمر بسجنه مع أخيه عقيل عطية.
    
     وتوجه في إثر ذلك عبد المومن إلى زيارة تربة المهدي بن تومرت في (تينمل)، على ما جرت به عادة الموحدين، واستصحبهما معه مكبلين ثم قتلهما في الطريق عند عودته إلى مراكش، سنة 553 هجرية، وقيل غير ذلك.
 
وهذا مقتطف قصير وصلنا من رسالته الاستعطافية مع شعره في التوسل، ومن الملاحظ أنه أكثر في كلامه من التورية:
 
 
 تالله لو أحاطت بي خطيئةٌ، ولم تنفك نفسي عن الخيرات بطيئةً، حتى سخِرت بمن في الوجود، وأنِفت لآدم من السجود، وقُلت إن الله لم يوح إلى الفلك إلى نوح، وبَرَيْتُ لقرار ثمود نَبْلاً، وَأَبْرَمْتُ لِحَطَب نار الخليل حبْلاً، وحططت عن يونس شجرة اليقطين، وأوقدتُ مع هامان على الطين، وقبضت قبضةً من الطير من أثر الرسول فنبذتها، وافتريت على العذراء البتول فقذفتُها، وكتبت صحيفة القطيعة بدار النُّدوة، وظاهرت الأحزاب بالقُصوى من العدوة، وذممت كل قُرشي، وأكرمت لأجل وحشى كل حَبشي، وقلت إن بيعة السقيفة لا توجب لإمام خليفة، وشحذت شفْرة غلام المغيرة بن شعبة، واعتقلت من حصار الدار وقتل أشمطها بشعبة، وغادرت الوجه من الهامة خضيباً، وناولت من قرع سِن الخمسين قضيباً، ثم أتيت حضرة المَعصوم لائذاً، وبقبر الإمام المهدي عائذاً لقد آن لمقالتي أن تُسمع، وأن تُغفر لي هذه الخطيئات أجمع:
                   فعفوا أمير

المزيد


رسالة ابن أبي الخصال في الشوق إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم(6)

مارس 8th, 2006 كتبها عبد اللطيف المصدق نشر في , الرسائل والكتابة الفنية على عهد الدولة الموحدية

 
الجزء الثاني: الرسائل والمكاتبات الخاصة في بلاد المغرب والأندلس على عهد الموحدين:
 
          - رسائل الشوق إلى زيارة الحضرة النبوية الشريفة.
 
مقدمة:
 
     تُعرف ميزة الكاتب الرسمي بقدرته التعبيرية البلاغية الفائقة على معالجة كافة الموضوعات الديوانية، وإيجاد مبرراتها الضرورية، بما يوافق حاجة المكتوب عنه أو إليه، في ظل آداب ومراسيم وطقوس خاصة بكل دولة على حدة.
 
    ولم تكن مهمة ذلك الكاتب الموظف داخل ديوان الإنشاء تنحصر فقط في التعبير الفعال عن سياسة الدولة ومذهبها ونظمها وحاجاتها المختلفة في السلم والحرب، بل وفي تجميل أسلوب الكتابة وتطويره أيضا، كما مر معنا، من خلال بعض الرسائل الرسمية الموحدية التي أدرجناها سابقا.
 
    وفي هذا الجزء الثاني سنعرض لبعض الرسائل الموحدية التي كتبها أصحابها لأغراض ذاتية خاصة بعيدا عن طقوس الدواوين الرسمية وصرامتها وتعقيداتها وكل إكراهاتها المختلفة التي ربما أدى الكاتب ثمنها غاليا، في بعض الأحيان سجنا أو عقوبة أو مصادرة أو حتى قتلا، إذا أخل بأحد شروط الخدمة الديوانية، كما أوضح ذلك ابن الأبار القضاعي الكاتب الأندلسي المشهور على عهد الدولة الموحدية والحفصية في رسالته المشهورة ( إعتاب الكتاب ) التي ألفها برسم أحد السلاطين الحفصيين الذين استقلوا بحكم المغرب الأوسط مباشرة عقب سقوط دولة الموحدين.
 
 فلقد بقي فن الكتابة خارج دواوين الإنشاء فنا حيا، متحررا من كل القيود، شديد الاتصال بحياة الكتاب الخاصة مع خالقهم سبحانه وتعالى، ومع بعضهم البعض، ومع بقية الناس العاديين الذين تتقلب به أمواج الحياة صعودا ونزولا.
 
وأول ما نبدأ الحديث عنه في هذا الجزء الذي خصصناه لفن الرسائل أو المكاتبات الخاصة غرض جديد دخل مجال فن المكاتبات لدى المغاربة والأندلسيين، وهو غرض الشوق إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
 
   وكان أهل المغرب والأندلس من الكتاب يؤلفون رسائل بديعة في هذا الغرض، ويرسلونها مع وفود الحج أو المرتحلين إلى المشرق، ويطلبون من حاملي تلك الرسائل قراءتها على الروضة النبوية الشريفة توسلا و حبا وشوقا واعتذارا.
 
   ومما قاله المقري في كتابه ( أزهار الرياض )(1) عن هذا النوع من الرسائل التي تميز بها أهل المغرب والأندلس عن أهل المشرق، نظرا لبعد بلادهم عن أرض الحجاز، ولأعذار مزمنة بسبب العجز والمرض والفقر ولكثير من عوارض الحياة المختلفة كل حسب ظروفه وانشغالاته، أو لصعوبات رحلة الحج والعمرة على كثير من المغاربة والأندلسيين في ذلك الزمن بسبب ما يمكن أن يتخللها من محن وأهوال وكوارث، قال:
 
( هذا مقام طالما طمحت إليه هِمم الرجال، وتسابقت جِياد أفكارهم في مضماره بالروية والارتجال. وسارت أرواحهم مع الرفاق ـ وإن أقامت الأشباح ـ، وطارت قلوبهم بالأشواق، ولم لا وهو سوق تعظم فيه الأرباح !.) ج4/ص20 .
 
    وكان من أول الكتاب الذين برزوا في هذا المضمار ذو الوزارتين ابن أبي الخصال(2) ، توفي سنة 543 هجرية، وكان له شأن كبير في فن الكتابة والإنشاء ببلاد الأندلس قبيل سطوع نجم الموحدين.
 
    وهذا نص رسالته التي كتب بها إلى المقام النبوي الشريف؛ وقد ضمنها سلامه وشوقه واعتذاره، وثناءه على سيرته الشريفة وسيرة أهل بيت الطاهرين، وصحابته المجاهدين المخلصين، ببيان يخلب الألباب، وعاطفة ملتهبة جياشة، واقتباسات من آي الذكر الحكيم، وإشارات مقتضبة إلى أخباره وأحاديثه صلى الله عليه وسلم:
 
   
     بسم الله الرحمان الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد وآله.
 
    إلى الرؤوفِ الرحيم،الرسولِ الكريم، ذي الخُلُقِ العظيم، والحسَبِ الصَّميم، والصَّفح الجميلِ، والمَن المُرْبِي على التأميل، صريحِ الصريح، ورَقُوءِ دمِ الذبيح ( فداء)، المخصوص بالمقام المحمود، والحوض المورود، خطيبِ الأنبياء وإمامهم في اليوم المشهود، المكين، الأمين، الذي ليس على الغيب بضنين، النازلِ عن خير الظهور إلى خير البطون، والمُترددِ من الأب الأقصى إلى الأب الأدنى بين كل مصونة ومصون، الذي تسلَّمه الآتي عن الماضي أمانةً حَمَلها من كل سلف خِيارُه، ونورا عُرضت في جباه السؤدد سِيماهُ وآثارُه، إلى أن أذِن الله سبحانه، فظهرت أسراره الكامنة، وأدته إليه ـ صلوات الله عليه ـ

المزيد


رسالة الخليفة المأمون الموحدي التي خرجت عن نهج الموحدين وعقائدهم (5)

مارس 5th, 2006 كتبها عبد اللطيف المصدق نشر في , الرسائل والكتابة الفنية على عهد الدولة الموحدية

 
    لم يستطع أحفاد المنصور أن يحافظوا على مجد أجدادهم الموحدين الأُوَل، وعلى وحدة صفهم في حمأة الرغبات الذاتية المفرطة، وحب الاستئثار، وضعف التجربة، وضيق النظر.
 
    وعندما آلت نتيجة الشقاق والصراع بين عبد الله إدريس المأمون ويحيى المعتصم لصالح الأول، في مراكش في حوادث سنة 626 هجرية، قرر الانتقام من شيوخ الموحدين الذين نكثوا عهود بيعته، وانحازوا إلى صفوف أعدائه، وخاصة من قبائل (تينمل) و( هنتاتة)، ولكلتيهما ثقل روحي وتأثير معنوي كبير في كامل تاريخ الدولة الموحدية، كما هو معروف.
 
    ولم يكتف المأمون باستدراج أولئك الشيوخ وقتلهم واستئصال شأفتهم وتتبع بقايا أتباعهم في القبائل، بل ذهب أبعد من ذلك فقرر أن يمحو أي أثر لهم؛ ماديا: بالقتل والإبادة، ومعنويا: بتحطيم سلطتهم الروحية والمعنوية الكبيرة التي مارسوها طيلة حكم الموحدين، عندما قرر إلغاء كافة الرسوم  المهدوية وجميع الشعارات الموحدية.
   
   وهكذا قام بإلغاء اسم زعيم الموحدين الروحي المهدي بن تومرت من الخطبة، وقد مر معنا في الرسائل السابقة كيف أن الترضية عن المهدي، والإقرار بعصمته قد أصبحت فريضة لازمة على جميع الكتاب، في صدر رسائلهم أيضا.
 
    فكان من الطبيعي أن يتنكر لكل الأفكار الموحدية السابقة بخصوص عصمة ومهدوية ابن تومرت. وهذا ما أعلنه، في صراحة ووضوح، وألزم الناس التابعين له به في رسالة فريدة من إنشائه، في السنة المشار إليها سابقا.
 
   كما لم يفته في هذه الرسالة أن ينبه إلى أن المنصور، الذي عُِرف عهده بالازدهار والإشعاع  وببعض النكبات الفكرية كتلك التي حصلت لابن رشد، كان قد عزم على هذا الأمر أيضا، ولكن الأجل لم يمهله، أو الظروف لم تساعده. غير أن المأمون لم يجد أي غضاضة في إعلان ذلك وتطبيقه وإلزام كافة رعاياه به، وإن جاء ذلك بعد فوات الأوان، وفي النزع الأخير من حياة الدولة الموحدية، إذ لم تقم لها بعد ذلك التاريخ قائمة، مع بروز المرينيين على مسرح الأحداث.
 
   وتلك الرسا

المزيد


رسالة الفصول (4)

مارس 5th, 2006 كتبها عبد اللطيف المصدق نشر في , الرسائل والكتابة الفنية على عهد الدولة الموحدية

 وهي رسالة  طويلة جامعة لأنواع من المبادئ والأوامر والنظم الموحدية:
 
     كتبها أبو جعفر بن عطية عن أمير المؤمنين عبد المومن بن علي إلى أهل (بجاية) يوصيهم بإقامة الحدود، وحفظ الشرائع، وإظهار الحق، مؤرخة في الثالث من شهر ربيع الأول سنة 556 هجرية. وتوجد في( مجموع رسائل موحدية )، الرسالة رقم: 23.
 
   ومعروف عن الدولة الموحدية أنها دولة عقيدة بامتياز؛ فقد قامت على مجموعة مبادئ غاية في التنظيم والتعقيد، ولعل هذا ما يبرر كثرة الرسائل التي عملت منذ بداية ظهور أمر الموحدين على شرح مبادئهم وأهدافهم. وتلك الرسائل صدرت، في بعضها، عن زعيمهم الروحي المهدي بن تومرت، كما يدل على ذلك كتاب ( أخبار المهدي ) للبيدق، وكتاب ( أعز ما يطلب ) المنسوب إلى المهدي نفسه، وفي بعضها الآخر عن بعض الخلفاء الموحدين، أوعن كتابهم المقربين الذين استوعبوا حقيقة الدعوة الموحدية عن علم واطلاع، فعملوا على نشرها وإقناع الناس بها، ببلاغتهم الخلابة.
 
    ومن الرسائل الموحدية الغريبة أو الطريفة المتصلة بهذا الموضوع رسالة الخليفة المأمون الموحدي، كتبت في فترة أفول نجم الموحدين سنة 626 هجرية. وفي هذه الرسالة تنكر لروح دعوة المهدي، وخروج تام عن مذهب الموحدين الفكري والعقدي، بل إن هذا الخليفة ذهب أبعد من ذلك عندما ألغى رسوم المهدي الصارمة، وكافة شعائر الموحدين، وربما عرضنا لهذه الرسالة الغريبة لاحقا بشيء من التفصيل، إن شاء الله تعالى.
 
وإليكم الآن نص رسالة أبي جعفر بن عطية المذكورة آنفا، وفيها يشرح جملة من مبادئ الموحدين التنظيمية، ويدعوـ على لسان الخليفة عبد المومن بن علي ـ إلى تطبيقها تطبيقا صارما لا هوادة فيه ولا مراجعة،  وفيها أيضا حث على قراءة العقائد الموحدية وحفظها، وأخذ الناس بعلم التوحيد، ولو باللسان البربري، وفيها أيضا نهي عن كل أنواع المفاسد والملاهي وآلاتها ووسائلها، في صفوف النساء والرجال؛ كشرب المسكرات ومنها مشروب( الروب) الذي كان فاشيا، وإليه ينسب باب ( الروب) المشهور في مراكش، وبعض الانحرافات الفاشية في سلوك الناس كالتلصص والجراية:
 
 
   من أمير المؤمنين ـ أيده الله بنصره، وأمده بمعونته ـ إلى الطلبة الذين ببجاية ـ أدام الله كرامتهم، ووصل صونهم وحمايتهم ـ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
   أما بعد، فإنَّا نحمد الله إليكم الذي لا الله إلا هو، ونشكره على آلائه ونعمه، ونصلي على محمد نبيه ورسوله.
     والحمد لله على ما أمّدَّ به هذه الدعوة العظيمة، والكلمة العلِيَّة الكريمة، من الأضواءِ والأنوار، وقرن بعزائِم أوليائِها من الأخذِ بحَجُز العباد من التهافت في النار، وأحكم بإيمانِهم من معاهد الهُدى التي من استمسك بها فقد فاز بعُقبى الدار، وأبان بهم معالمَ السنة المُستبينة الضوءِ الهاديةِ المنار، التي من سلك جَدَدَه فقد أمِن من العِثار، ووقَّف هممَهم لديه من مراعاة أمور الدين في النائي والدَّاني من الأقطار.
 
    نحمده حمد من اهتدى إلى أنه الموجودُ المُطلق الذي لا يَتقيَّد بالأمكنة والأعصار، الواحدُ الفرد الصمد المنزه عن الشركاء والأنظار، المتعالي عن صفات التخير والانتقال والعَجْز والافتقار، المحيطُ بجميع الموجودات إحاطة لا تحدها حِدَّةُ الأذهان، ولا تلحقُها دقائق الأفكار. لا إله إلا هو لا تدركه الأبصارُ وهو يدرك الأبصار.
 
   ونصلي على محمد نبيه والمُبتعَث من أكرم نِجار، والمؤيد بالمعجزات التي دحضت حُججَ الكفار، وخرقت مُسْتَمِرَّ العادة للعلم أنها فعلُ الواحد القهار، وأتت على وفق الدعوى ليُتبين بها صدقه على الأضرار، وحكمت في كل من لا يؤمنُ بها كل طريد الشََّبى ماضي الغرار، وعلى آله وصحبه السالكين في ذلك السنَن والمُجرين في ذلك المِضمار.
 
    ونواصل الرضا عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، القائم بأمر الله تعالى لما ارتفع العلمُ بقبضِِ العلماءِ الأخيار، وأُعجِب كلَُ ذي رأي برأيه من الصم البكم الَّرغام الأغْمَار، وقامت خطباؤهم بأفانين التضليل وضروب الاغترار، وقلَبوا الحقائق فظهر من التبديل والتغيير ما أخْفَى دينَ الله تعالى الذي تكفلَ له بالإظهار، وانبسط في البسيطة من المناكر ما لا يحتاجُ إلى إطالةٍ في تعديده من الوضوح والاشتهار، فجلَّى بضياء حكمه ما استولى على آفاقها من الظُّلَم المشتدة الاعتِكار، وأبان بمُعجز علمه من العلم بالله تعالى ورسُله وبما جاءت به رسله ما كان في طيِّ الخفاء والاستِتار، وعلَّم طرُق العلمِ بها التعليمَ الذي انتفع به أهلُ التيقن والاستبصار، وضرَح عن موارد الدين ما شمِلها من الشوائب والأكْدار، وأمده بالطائفة المنصورة المفتوح لها بصريح الوحي وصحيح الأخبار، كلُّ دان وشاسع من الأمصار، الوارثين علمَه والعاملين به والمتصرفين له ليبقى أمرُه العظيم على الدوام والاستمرار، إلى قيام الساعة وانقضاء هذه الدار.
 
     فإنا كتبناه إليكم ـ كتب الله لكم كل خير جزيل، وأعانكم على امتثال أوامر التنزيل، وجعلكم جارين على حكم الكتاب والسنة في الدقيق من الأمور والجليل ـ من رباط الفتح ـ عمره الله ـ ، والطائفةُ المنصورة محفوفةٌ من حفظ الله وكلاءته، ومكنوفةٌ من صَوْنه وحِمايته، وممنوحةٌ من إظهاره وإعلائه، ومخصوصةٌ من إرقائه وإسماعه، وممدةٌ من إضاءة زَنْدها وإيرائِه، في تسْنية مرامِها وإسْنائه، بما أنهضنا الله به إلى إحياء معالم السنة وإحكام أمْراسها، وتثبيت أركان الدعوة على وثيق أساسها، وتطهير الأمة من أدرانها وأدناسها، وتعليمها كيف تستضئ بمِشكاة الهداية وتعشو إلى نِبراسها، ليمشوا على السَّنن اللاحب، ويتقيدوا بالشرع المرتَّب الراتب، ويعملوا في أمر دينهم ودنياهم باللازم الواجب، فلا يلبسوا الهدى بالضلال، ولا يشوبون التحقيق بالإبطال، ولا يخلطون العمل بالرفض، ولا ُيبَعضون الإيمان فيقولون: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ليتخذوا بين الرشد والغي سبيلا، وليروموا في الصحيح الثابت تغييرا وتبديلا، إلى أن تخلُص قلوبهم من الرَّين، ويكون عندهم العلم والعمل متلازمين، والباطن والظاهر متطابقين، والقول والفعل متعارضين، ولا متنافيين، والله المعين على إكمال هذا المقصد وإتمامه، والملئ بائتلاف جمع الجهات والأكناف على ما يؤثره من اتصاله وانتظامه.
 
     ولما كان هذا الأمر العظيم إنما جاء في حين الفترة، وشمول الحيرة، وارتفاع العلم، وحلول الجهل، وانبساط الجَوْر، وانقباض العدل، وتملك الهمَج الرَّعاع، واتباع الهوى المُضل والشَّح المطاع، وقام به الإمام المعصوم، المهدي المعلوم ـ رضي الله عنه ـ عندما أزبد بحرُ الضلال وطمَى، واعتلى سلطانُ الكفر واستمَى، وتطاير شُر الأشرار وارتمى، وتفرقت في أنواع الأباطيل الآراءُ، وغيرت معالمَ السنة البدعُ والأهواءُ، والدين أجنبيٌّ غريبٌ، لا مناسِب له ولا قريب، ولا داعِي له ولا مجيب، وقد قنعَ أهلُ الدنيا في معارفِهم بمسوَّد الصحائف، مسطور الزخارف، لإماتةِ المعارف، وتط

المزيد


رسالة الخليفة أبي يعقوب يوسف إلى الطلبة والموحدين الذين بجزيرة الأندلس(3)

مارس 3rd, 2006 كتبها عبد اللطيف المصدق نشر في , الرسائل والكتابة الفنية على عهد الدولة الموحدية

 
 
   وهي من إنشاء أبي الحسن بن عياش، مؤرخة في ربيع الآخر سنة 564 هجرية، وكتبها من حضرة الموحدين مراكش، ( المن بالإمامة، ص 376 وما بعدها..).
 
   وفي هذه الرسالة يُطلع كافة الموحدين والطلبة الذين بالأندلس على أمر اهتمامه بأحوال الجزيرة الأندلسية، والانشغال بها، والعمل على نصرتها، والحرص على قيام شأن الموحدين بها على كل قدم وساق، بالوقوف في وجه كل الأعداء؛ من بقايا المرابطين ( المجسمين)، وكل الناهضين في وجه الدعوة الموحدية من النصارى الطامعين وكل الثائرين والمشاغبين بأرض العدوتين الذين قد يحولون دون التفرغ التام لأمر الأندلس .
 
    وقد يلاحظ القارئ تشابه الخط الفكري والتوجه المذهبي بين هذه الرسالة والرسالتين السابقتين وبقية الرسائل الموحدية، وكأنها صادرة عن شخص واحد، وهذا رغم اختلاف انتماء كتابها لبعض جهات العدوتين المتباينتين في كثير من الظروف والأحوال، بل إن جلهم كان قد تمرس بعمل الكتابة والإنشاء من لدن الدولة المرابطية كأبي جعفر بن عطية المذكور سابقا، وهذا يدل على أن الكتابة عملة نادرة يحرص الساسة في كل وقت على ضمها كقوة معنوية إلى قوة العقيدة والسلاح بكافة وسائل الإغراء أو المساومة والشراء.
 
    وهذا التنوع في انتماءات كتاب الدولة الموحدية الجغرافية أعطاهم قوة تنافسية هائلة، ومكن لكتاباتهم هذا الغنى وهذا التنوع في طرق العرض والأداء الفني، وهذا مما قد لا يخفى على القارئ الحصيف.
  
     أما وقد تبنت الدولة الموحدية مشروع الكتابة والكتاب، وأولته العناية الفائقة التي لا مزيد عليها حتى أمرت بقراءة الرسائل الموحدية في محافلها، والتبرك بها وإظهار البهجة ببشاراتها، بل وحتى بحفظها تعظيما لشأنها، وتقديرا لرسالة أصحابها في حفظ أساليب التعبير الإنشائي الخلاق وفي الإحتفاظ بصورة دولتهم المهيبة على صفحة التاريخ، كما يدل على ذلك المقطع الأخير من هذه الرسالة أيضا، فلا يسعنا إلا أن ندهش لهذا التوازي العجيب بين مشروع الموحدين الحضاري، وكتابة كتابهم التي نهضت بمهمة التعبير عنه في ساعات الفرج والضيق، وبعد أن آل مصير  الدولة  الموحدية وكل كتابها إلى الفناء المحتوم، كما لا يسعنا في نفس الوقت إلا أن نأسف على كل أشكال التردي والضحالة التي تشوب طرق تعبيرنا وأدائنا اليوم.
 
وإليكم الآن نص الرسالة:
 
 
    بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله على محمد وآله وسلم، والحمد لله وحده.
    من أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين أيده الله بنصره، وأمده بمعونته.
 
 إلى الطلبة الموحدين مِن الذين بجزيرة الأندلس ـ أدام الله توفيقهم وكرامتهم ـ سلام عيكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أما بعد:
 
     فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، ونشكره على آلائه ونِعمه، ونصلي على محمد نبيه المصطفى ورسوله، ونسأله الرضا عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، القاضي بأمر الله تعالى والداعي إلى سبيله، ونُوالي الدعاء لصاحبه وخليفته الإمام أمير المؤمنين مُمشي أمره العزيز إلى غاية تتميمه وتكميله، .
 
     وإنَّا كتبناه إليكم ـ وصل الله توفيقكم وكرامتكم

المزيد


رسالة أمير المؤمنين عبد المومن بن علي إلى الطلبة والموحدين الذين بغرناطة (2)

مارس 2nd, 2006 كتبها عبد اللطيف المصدق نشر في , الرسائل والكتابة الفنية على عهد الدولة الموحدية

 
     كتبت في ذي القعدة سنة 554 هجرية، وهي من إنشاء أبي جعفر بن عطية، مجموع رسائل موحدية، الرسالة رقم: 19.
 
وفيها إشارة إلى عناية الموحدين بأمر الأندلس، واختطاط مدينة بجبل الفتح، جبل طارق، لتيسير العبور إلى الجزيرة الأندلسية قصد الجهاد، مع شرح كيفية ذلك، وتعيين المهندسين والمشرفين على مشروع إعمار مدينة جبل طارق.
 وفي نهاية الرسالة مطالعة بأحوال الموحدين وفتوحاتهم التي تجددت في الجهة الشرقية بالمهدية وقفصة وقابس، وأمر بتعريف كافة الموحدين والطلبة الموجودين بالأندلس بتلك البشائر، بشائر النصر القادمة من جهات الشرق المذكورة التي وقعت تحت نظر الموحدين:
 
 
     من أمير المؤمنين ـ أيده الله بنصره، وأمده بمعونته ـ إلى الطلبة والموحدين الذين بإغرناطة ـ أعزهم الله وأدام كرامتهم بتقواه ـ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
     أما بعد حَمدِ الله الذي على عونه مستندُ الاعتصام، وعلى معارج تيسيره منعطفُ كل مَرام، وبحوله وقوته مُورَّك كل بدء من الأمور وتمام، وهو أهل الشكر والحمد على الإحسان المتتابع والإنعام؛ والصلاة على محمد عبده ورسوله موضح سبُل السلام، والمُبتعَث إلى الأحمر والأسود من كافة الأنام، وعلى آله وصحبه البررة الكرام؛ والرضا عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، المخصوص بالعلامات الصادقة والأعْلام، المبشر من ظهور أمره العلي، وتعيينه المراد المعني، بما فاضت تباشيره، وسالت أساريره على صفحات الليالي والأيام.
 
    فإنا كتبناه إليكم ـ كتب الله لكم تعُّرف الآلاء المستجدة، وبركة المواهب التي هي من بحر عطائه مُستمدة ـ من منزل الموحدين ـ أظهرهم الله ـ بظاهر (المهدية) ـ فتحها الله ـ ووعد الله لأوليائه قد فَض الإنجازُ خاتَمه، وبرَّز لياليه المخبوءة وأيامه، وأجرى بأعلى حزبه المفلح قضاياه الماضية وأحكامَه، وأخبر طائفة هذا الأمر الكريم وعامري صراطه المستقيم، من ثمرات هذه الحركات المشهود لها بميامين الأقدار، المُستنَّة في مِضمار الاختيار، ما بلغ فيه ـ والحمد لله ـ من إظهار دينه وتمْشية أمره إلى أفضل مأمول، ووقف منه على عناية الله الباهرة للعقول، المطابقة لمواقع المطلوب، من فضله والمسؤول، ولله تعالى في بركات هذا الأمر العزيز رحمةً على العباد ممدودة، وإشارةً في معنى العموم مقصودة، وإرادةً في حِياطة المُعِْرق والمُشْيِم والمُنْجِد والمُتْهِم موجودة مشهودة، ليُأخذ الأمرُ العزيزُ بمجامع ال

المزيد


رسالة أبي عبد الله بن عياش في الفتح والبشرى بالنصر، عقب انتصار الموحدين في معركة الأرك سنة 591 هج(1)

مارس 1st, 2006 كتبها عبد اللطيف المصدق نشر في , الرسائل والكتابة الفنية على عهد الدولة الموحدية

         
         أدب الرسائل والكتابة الفنية على عهد الدولة الموحدية:
 
تقديم:
 
    كانت الكتابة الفنية من أهم خطط الدولة الموحدية بالمغرب الأقصى، وأجلى مظاهرها الحضارية، والأكثر قدرة على استيعاب مشروعها الحضاري المتميز.
 
   وقد حرص الموحدون على استنفار أمهر كتاب العدوتين: المغربية والأندلسية للاضطلاع بمهمة التعبير عن ذلك المشروع المهم في تاريخ المغرب، كما حرصوا على الاحتفاظ لفن الكتابة والإنشاء بمستواه العالي الرفيع، مضمونا وأداء، كما تدل على ذلك هذه النصوص التي سنعمل على عرضها تباعا، في هذه الزاوية المخصصة لأدب الرسائل والكتابة الفنية على عهد الدولة الموحدية، سواء في جانبها الرسمي المتعلق بحياة الدولة، أو في جانبها الخاص المتعلق بحياة الكتاب الرسميين التابعين لأجهزة الدولة، أو بحياة غيرهم من الكتاب البسطاء العاديين: 
      
       أ ــ الرسائل والكتابات الرسمية:

           1)  رسائل الفتح  والبشرى بالنصر:
  
   وهي أهم أنواع الرسائل الرسمية، وتأتي دوما في طليعتها، كما ذكر القلقشندي في موسوعته الضخمة( صبح الأعشى في صناعة الإنشا ) لعظم شأنها، في التعبير عن هيبة الدولة.
  وتتميز رسائل الفتوح بإسهابها في وصف المعارك، وبتفننها وإحكام صنعتها، ووفائها في التعبير عن حاجات الدولة المختلفة في الحرب والسلم وعند المحن والفتن، وكل ما يتبع ذلك من مستلزمات آداب الخدمة الديوانية الرسمية  المختلفة، في  تقديم المشورة، وفي التدبير والتسيير، وفي حفظ  ألقاب ونعوت ومراسيم الدولة، والتنويه بشعاراتها السياسية والدينية والمذهبية والفكرية،  كما في هذا النموذج الأول: 
          
ــ رسالة أبي عبد الله محمد بن عبد العزيز بن عيَّاش عن يعقوب المنصور، ضمن ”مجموع رسائل موحدية”  لبروفنصال، الرسالة رقم: 35

    من أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين ــ أيدهم الله بنصره، وأمدهم بمعونته ــ إلى الطلبة والموحدين والأشياخ والكافة بفاس وعملها ــ أدام الله كرامتهم بتقواه، ويسرهم من العمل والشكر لما يتقبله ويرضاه ــ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 
    والحمد لله الفتاح العليم، المنزه بسلطان العقل عن التثليث والتجسيم، حمدا يكون إلى العوارف سعيرا، الواحد الذي استحال عليه جواز العدد، واتخاذ الصاحبة والولد، فتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، القاذف بالحق على المُبطِّلين، وبالصدق على المُكذبين، ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا، مثيب من توجه إليه وتوكل عليه فتحا قريبا ومغانم كثيرة وكان ربك قديرا، ومنجده من السبع الطباق، بمن يغني عن السُّمر العوالي والبِيض الرقاق. وكفى بملائكة السماء ظهيرا؛ والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبيه المرسل شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، مطلع الآيات الكُبر، على مراقب السمع والبصر، فطوبى لمن كان سميعا بصيرا، والمجاهد بجيش القرآن ، من دعاهم إلى السجود للرحمان، فقالوا: ( أنسجد لما تأمرنا ) وزادهم نفورا، كاسر الصلب والأصنام، ومعجز فرسان المنطق ورؤساء الكلام، حيث لم تَعدم البلاغةُ لسانا ولا الرمح مُديرا؛ وعلى آله وصحبه الذين اتبعوه قولا وفعلا ، فكان حكُمهم فاصلا، وسيفُهم قاصلا، ولواؤهم منشورا؛ والرضا عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، معيد الحق وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، والمنشر بنور هدايته، وظهور رايته، قلوبا سكنت من الجهل قبل القبور قبورا، والمحيي بخاصَّي صفحِه وبيانه نفوسا قابلةًَ والمهلك بحادَّي سيفه وسنانه قوما بورا؛ وعن صاحبه وخليفته سيدنا الإمام أمير المؤمنين الذي اختاره الله سجيرا، وللمؤمنين أميرا، متلقي راية الإمامة في مغرب الشمس والله قد أعد له في مشرقها منبرا وسريرا، والكاشف ما دجا من الفتن المُدْلَهِمَّة، والخطوب المُصِمَّة، وقد أمسى جنح ليله ذابلا وأصبح شرها مستطيرا؛ وعن سيدنا الإمام أمير المؤمنين بن سيدنا الإمام أمير المؤمنين متقبل آثاره، وباسط أنواره، يقْرُوها أثرا أثرا ويبسطها نورا نورا، والمُعطى من الكمال، وشرَف الخِلال، ما يرد الذهن كليلا ويصرف الطَِّرب حسيرا، والمُعان بالنصر الذي لم يزل النهار مواكبا والليل سميرا.
 
   وإنا كتبناه إليكم ــ وألسن الأقلام، تعجز عن حقيقة الإعلام، لعلمها بأن إلينا في صنع الله العظيم سبحانه سبحا طويلا، وأن لسان هذه الحال الشريفة أقوم قيلا وأكبر تفصيلا ــ من حضرة إشبيلية ــ حرسها الله ــ والذي نوصيكم به تقوى الله تعالى، والعمل بطاعته، والاستعانة به، والتوكل عليه، وأن تعلموا أن الجيوش وإن كثرت جنودها، وانتشرت ذات اليمين وذات الشمال بنُودها، فلا ثقة إلا بالواحد الذي يغْلب، والكتائب الباغية كثيرة الأعداد، والاستظهار إلا بسيفه الذي يضرب، والسيوف في مضاجع الأغماد، وإلا فما يؤثر الخميس العرمرم إذا لم يكن السَّعد من نَفَره، وما تغني شجر القنى إذا لم يكن العون من شرفه والفتح من ثمره، وما تفيد عيونه الزرق إذا كان صنع الله محجوبا عن بصره؛ وكلا ولا حول ولا قوة إلا بمن بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون، ولا نيل ولا نُجعة إلا من وعده، لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون؛ والحمد لله عودا بعد بدءٍ على المواهب التي يتلاحق مُوَحَّدُها ومُثَنَّاها، والعطايا التي أنبأت بها الغيوب فلو تنكرت لعرفت بسيماها.
 
    وإلى ذلكم ــ أوزعكم الله شكر النعمة ــ فإن الله سبحانه لما كسر طاغية الروم الكسرة التي أعزت الحنيفية، وأذلت النصرانية، وفتح من معاقله الأَشِبَة ما فتح، ومنح عباده من أنفاله وأسلابه ما منح، أجفل ــ لعنه الله ــ إلى قشتالة ــ فتحها الله ــ إجفال الظَّلِيم، وقد أبقى منه سيف الله ما يُبقي الصباح من الصَّريم، والرياحُ من الهشيم.
 
 وفَصَل الموحدون وشُكْرُ الله ملءُ حقائبهم، وصُنْعه الكريمُ حسْبُ رغائبهم، وشرعةُ العود متمَأََرُ قناهم وقواضِبهم، لا بتمَنِِّ للقاء العدو، ولا بتصويب إلى مَهْواة الكبر والعلو، بل بمجرد الافتقار إلى الواحد الذي ينصر من ينصره، ويزيد الإحسانَ من يشكره، ومحض الثقة بقوله تعالى وهو أصدق القائلين: ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ).
 
    ولم يزل الكافر يرغب في السلم رغبة مَنْخُوب الفؤاد، وموتور الأمل، مقطوع السبب، وتكررت مخاطباته فَرُدت بالخواتم على أدراجها، مُشْعِرةً بأن استخارة الواحد القهار على غزوه بِسبيلٍِ ألجامُها على الله وأسْراجها، وما يُصنع بالرغبات المذْحُولة والحِبال الرَّمَائم، وصنع الله الذي عود عباده مقرون بنواصي العزائم، وجانب الظفر الذي منَّ به سبحانه أشد وأوثق، ونَسبُ القتال في شرف الإسلام وأهله أكرمُ وأعرق.
  
    وعند ذلك تحرك الموحدون على ما جاءت به السنة الحنيفية من الإعداد والإرهاب، عالمين بأن لا عِدة ولا عُدة ولا قول ول


المزيد