تاريخ إنشاء هذه المدونة : 14 /  12 / 2005  ـــــــــ  بريد المراسلة: abousouha@gmail.com 


أوراق من تاريخ وحضارة المغرب (2) إكمال بناء صومعة إشبيلية وتعليق التفافيح.

فبراير 4th, 2006 كتبها عبد اللطيف المصدق نشر في , أوراق من تاريخ وحضارة المغرب

الورقة الثانية: إكمال بناء صومعة إشبيلية وتعليق التفافيح:
 
    استمر البناء في مسجد إشبييلية إلى عهد الخليفة الموالي أبي يوسف، ولم توضع اللمسات الأخيرة النهائية، بتعليق التفافيح بأعلى الصومعة إلا بعد فراغ هذا الخليفة من غزوة الأرك في شهر شعبان من سنة 591 هجرية.
    وكان انتصار الموحدين على نصارى الأندلس بقيادة ملكهم (أذفونش) في هذه المعركة الحاسمة، علامة مميزة في تاريخ الموحدين خاصة، والمغرب عامة، وبداية عهد جديد من البناء والإصلاح والإشعاع مكن المسلمين بجهود المغاربة المخلصين من ترسيخ أقدامهم لسنوات عديدة أخرى على أرض الأندلس، فردوس المسلمين المفقود.
 
    وفي هذه الورقة الثانية سنقصر حديثنا على كيفية بناء صومعة أو منارة إشبيلية، ورفع التفافيح المذهبة بأعلاها في يوم حافل مشهود بعد ذلك الانتصار الرائع الذي أحرزه الموحدون، وكأنهم كانوا على موعد مع التاريخ ليختم لهم بحسنى الجهاد، وحسنى البناء والتشييد لتتم لهم كلمة التوحيد التي ناضلوا من أجلها منذ بداية دعوتهم.
 
   ومن المعلوم لدى المؤرخين ودارسي الآثار، وحتى لدى المراقب العادي التشابه الكبير، من حيث الشكل والتخطيط، بين بناء منارة إشبيلية الأندلسية ومنارة الكتبية المراكشية وحسان الرباطية التي لم يكتب لها أن تكتمل كأخوتيها.
   ولا زالت منارة الكتبية بمراكش شامخة بعد الفراغ من ترميمها في السنوات الأخيرة، وهي تعد بمثابة القلب النابض لهذه المدينة، وإليها تأوي أفئدة السواح القادمين إلى مراكش من شتى بلدان العالم، وليس بينها وبين ساحة جامع الفنا العجيبة إلا بضع خطوات.(1)
 
   وبالعودة إلى تفاصيل بناء منارة إشبيلية نلاحظ أن هذا البناء قد تم بشكل متقطع زمنيا، ولم يستأنف هذا البناء بشكل جدي نسبيا إلا سنة 584 هجرية، وتحت إشراف أبي بكر بن زهر هذه المرة، كما أشار إلى ذلك ابن صاحب الصلاة.
   غير أن الجديد الذي نسجله هوأن عملية إكمال المشروع قد عهدت هذه المرة إلى المهندس المغربي علي الغماري الذي حل محل أحمد بن باسة المذكور آنفا، في الورقة الأولى.
كما يلاحظ أن المشرفين على البناء والمهندسين والبنائين والعرفاء ربما كانوا يتنقلون بين العدوتين بالتناوب، أو ربما لأنهم كانوا ينجزون عمليات البناء في المساجد الثلاثة المذكورة آنفا، في نفس الوقت، باعتبارها مشروعا واحدا للدولة، وإن تباينت المسافة بينها كثيرا. و يفسر ذلك أن على الغماري نفسه كان دائم المراوحة بين حضرة مراكش وإشبيلية.
 
   وأول ما قام به علي الغماري هذا تعديل ما اختل من بناء جامع إشبيلية في السنوات السابقة من جهاته الأربع، أومن جهة دعاماته، أو من جهة حيطانه وسقوفه .
 كما أضاف إليه إضافات جديدة كوضع الشمسيات الزجاجية، وإحكام تسقيف سطوحه بالآجر من الخارج .
وذكر ابن صاحب الصلاة في أمر بناء الصومعة أمرا عجيبا، وهو أنها صنعت بغير أدراج، وأنه كان يصعد إليها في طريق واسعة للدواب والناس والسدنة.
ودامت أشغال بناء تلك الصومعة بشكل متقطع أعواما كان الغما

المزيد


أوراق من تاريخ وحضارة المغرب (1) قصة بناء مسجد إشبيلية

فبراير 3rd, 2006 كتبها عبد اللطيف المصدق نشر في , أوراق من تاريخ وحضارة المغرب

 العهد الموحدي: البناء والعمران:
الورقة الأولى: قصة بناء مسجد إشبيلية:
 
أ - مقدمة: 
عمل الموحدون على إشراك كافة الفعاليات الفكرية والعلمية التي توفرت لهم في المغرب والأندلس لصناعة مجدهم الحضاري . ومعروف عن كبار علماء العهد الموحدي كابن رشد وابن طفيل وابن زهر وغيرهم انخراطهم في الحياة العلمية والعملية، ونزولهم من أبراج الفكر والفلسفة العالية إلى ساحة البناء والجهاد، جنبا إلى جنب مع البنائين والنجارين والعرفاء والجنود والمتطوعة. وحتى فقهاء الدولة الموحدية وطلبتها وحفاظها كانوا رجال علم وعمل.
 
ولكي تأتي هذه الحركة أكلها فقد كفل الموحدون للناس حرية الفكر والعمل، وخاصة في ولاية أبي يعقوب يوسف بن عبد المومن ( 558 - 580).
 وأظهر الموحدون رغبة كبيرة في تخليد مجدهم عن طريق تنفيذ مشاريع ضخمة في مجال التخطيط الهندسي والبناء العمراني وجلب المياه للحواضر الكبيرة في العدوتين المغربية والأندلسية عن طريق شق القنوات ومد الجسور وبناء الخزانات الهائلة، وتأمين شبكة الطرق البرية والبحرية، مع التركيز على مدن تجمعاتهم الكبرى استعدادا للعبور إلى العدوة الأندلسية بغرض الجهاد كرباط الفتح (الرباط حاليا، وعاصمة المملكة المغربية) التي اختطت في عهدهم كمدينة جديدة سيكون لها الأثر الفعال في مجمل تاريخ المغرب، وكجبل الفتح (جبل طارق) الذي تعهدوه بالبناء والتوسعة والتحصين، حيث كانت تكتمل عنده تجمعات الحشود الموحدية القادمة من جميع البلاد الموحدية العربية والبربرية مع ما يتطلبه ذلك من توفير الذخائر الحربية والمؤونة والسفن الكافية لنقل تلك الحشود الهائلة إلى بر العدوة الأندلسية.
 
 كما أظهر الموحدون عناية خاصة بنظام البريد والرقاصين(حاملي البريد) لتأمين سرعة نقل الأخبار والمستجدات بين حاضرة ملكهم في مراكش وقاعدة ملكهم في الأندلس إشبيلية، أو في المغرب الأوسط كبجاية، أو في إفريقية كالمهدية، وذلك على مراحل معلومة وهيأة مخصوصة سنعود إليها بالتفصيل في إدراجات لاحقة.
 
أما الآن فنريد أن نعرض لبعض المآثر العمرانية التي خلفها الموحدون. وقد تعاون على تخطيطها وبنائها خيرة المهندسين والبنائين والحرفيين والصناع من بلدان الأندلس والمغرب ، ومن العرب والبربر، على حد سواء.
 وفي ذلك مظهر كبير من الوحدة والتآلف تفتقدهما الدول العربية الآن، وإن كانت أحوج ما تكون إليهما.
 
ب -  وصف بناء جامع إشبيلية الكبير ( الخيرالدا ):
 
أتى المؤرخ الموحدي ابن صاحب الصلاة في سياق خبر بنائه، وكان شاهد عيان على ذلك في كتابه ( المن بالإمامة ) (1) على ذكر معلومات هامة مفيدة للمحققين والمهتمين بفن العمارة والحضارة والتخطيط؛ كذكر من أسهم في ذلك البناء الشامخ إلى الآن ومن أشرف عليه، وسبب بنائه، وكيفية بنائه، وصعوبة رفع الدعائم والبلاطات والقباب والمنبر والصومعة،  ومواد البناء والزخرفة والتزيين، قال:
 
وفي هذه السنة ( يقصد سنة 567 هجرية) في شهر رمضان ابتدأ أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين ( يقصد أبا يعقوب يوسف بن عبد المومن) باختطاط موضع هذا الجامع العتيق الأنيق، فهدمت الديار داخل القصبة له، وحضر على ذلك شيخ العرفاء أحمد بن باسه(2) وأصحابه العرفاء البناؤون من أهل إشبيلية، وجميع عرفاء أهل الأندلس، ومعهم عرفاء البنائين من أهل حضرة مراكش ومدينة فاس وأهل العدوة، فاجتمع بإشبيل

المزيد