تاريخ إنشاء هذه المدونة : 14 /  12 / 2005  ـــــــــ  بريد المراسلة: abousouha@gmail.com 


من وحي البريد المزعج

كتبهاعبد اللطيف المصدق ، في 12 يوليو 2008 الساعة: 10:21 ص

التراسل بين الناس قديم قدم الحواس الخمسة المركبة فيهم خِلقة وجبلة. فكل واحدة من تلك الحواس نظام كامل معقد لبث إشارة ما واستقبال أخرى.

 وكما لكل حاسة القدرة على فرز الإشارة وتفكيكها وتحليل معطياتها فلها القدرة ذاتها على ترميزها وإخفائها بحيث لا يستطيع فك مجاهلها إلا من أُعطي مفاتح الفهم السرية الأولى لها…

ولم تكن اللغة الشعرية عبر كل العصور الماضية إلا اختزالا منظما لفوضى عوالم المسموعات  والمرئيات والمشمومات والملموسات وكل أصناف المذاق الحلو والمر وما بينهما من وسائط لا تعد ولا تحصى.

 وستظل هذه اللغة الشعرية على الدوام أهم مرفأ تفرغ فيه البشرية حصاد مدركات حواسها الإنسانية الأولى المتدفقة كجدول رقراق مهما بلغ شأنها من تقدم علمي وتطور آلي تقني…

ومعول الناس الأول عندما يكونون في القرب على حواسهم عندما ينصت بعضهم إلى بعض أو يهمس بعضهم إلى بعض أو يرنو بعضهم إلى بعض أو يتنسم بعضهم عطر بعض … ولكنهم إذا ما تباعدوا وحل بينهم البين وأطبقت عليهم غيوم الصمت لم يجدوا عن أنظمة البريد والتراسل المستحدثة بديلا.

ومع أن للرسائل المكتوبة بخط اليد قيمة حسية وإنسانية أكبر لأنها تحمل أجزاء من أثر صاحبها: مداد قلمه، وشكل خطه بكل تعرجاته ومنحنياته، وبصمة يده، وربما شذى عطره، وربما بعض خصلات شعره المتساقط داخل المظروف، وطابع البريد لدولة المصدر، وغير ذلك مما يجمل الاحتفاظ به لتأكيد العهد وتوثيق الذكرى…

غير أن انتقال الناس في هذا العصر إلى نظام البريد الإلكتروني الآني يكاد يعصف بمخلفات أنظمة التراسل القديمة، وتكاد صلة الناس بالأقلام وبالطوابع والطرود والأختام البريدية تنقطع …وتحولت كثير من مصالح البريد الحكومية التي كانت تسهر على تأمين وصول مراسلات المواطنين إلى وجهتها المعلومة إلى ما يشبه الدكاكين لبيع أجهزة الهاتف الثابت والنقال واستخلاص فواتير الاتصال…

ومع الأسف فإن ما يضير مستخدم البريد الإلكتروني رغم حسناته الكثيرة أن يجد نفسه مضطرا في كل يوم إلى كنس بريده وتنظيفه من الرسائل المزعجة التي تكون كثافتها في بعض الأحيان في حجم كثافة الصراصير المتكدسة عند نهاية البالوعات القذرة. فعدد الرسائل المزعجة يفوق في العادة الرسائل المرغوبة بمقدار ثلاثة أضعاف أو أكثر، وإذا تهاون أحدنا في تنظيف بريده لبضعة أيام معدودة فقط فسيجد أن رسائله المحفوظة قد التهمتها تلك الصراصير الإلكترونية وصارت في خبر كان….

لقد أصبح إرسال البريد المزعج تقليدا إلكترونيا لا يقوم به الأشخاص المحترفون لمهنة اللصوصية والتسول الإلكترونيين فقط، بل تقوم به كثير من الشركات الافتراضية الوهمية التي تدس ملايين الرسائل المزعجة معترضة بريد الناس لتستغفلهم وتبيعهم الوهم  تارة باسم شركة القمار واليانصيب التي تعد صاحب البريد بالربح الوفير وكأنه الوحيد المعني بالاهتمام، وتارة باسم شركات مزورة لبيع الدواء ومواد التجميل وغير ذلك مما له صلة بعالم الرذيلة ومستلزماتها….

وإذا كان هذا هو حالنا اليوم مع البريد المزعج بعد مرور ثلاثين سنة على إرسال أول رسالة مزعجة  غير مرغوبة في الثالث من شهر أيار/ مايو عام ثمانية وسبعين من القرن الماضي . فكيف سيكون واقع بريدنا الإلكتروني بعد مرور ثلاثة عقود أخرى من الآن؟…
________________

إدراجات ذات صلة:
قصص التراسل والمراسلة بين الأمس واليوم

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

6 تعليق على “من وحي البريد المزعج”

  1. تحية إلي المبدع الهادئ عبد اللطيف.

    وأراك أخي تحمل همك في صمت، تريد بالتدوين العربي أن يسمو إلى سمائه، وأن يؤدي الرسالة التي وجد من أجلها…………… لكن سوف يتحقق ذلك إن شاء الله علي يد أمثالك من المدونين الصامدين الذين يدونون من أجل الاخرينفقط.

    شكرا لك .

  2. أكثر الكتابات تأثيرا وبقاء تلك التي تعبر إلى قلوب المتلقين بصمت، بعيدا عن الجلبة والضوضاء. أتمنى أن أكون عند حسن ظنك أخي العزيز بنمحمد عبد الرزاق وظن كل العابرين من هنا.. وشكرا على أطرائك الجميل وشعورك الراقي النبيل…

  3. شخصيا لجأت إلى منع مرور البريد المزعج أو السبام، حتى ولو كان في ذلك بعض المخاطرة باعتراض البريد النافع. نحن واعون اليوم أن سهولة التواصل الإلكتروني يحمل في أحشائه الكثير من السلبيات، أخطرها زوال الحريم البريدي، وكأتك تكتب وسط زقاق شعبي مكتظ بالبصاصين فقط.

    تحيتي لك أخي غبد اللطيف

  4. تحية أستاذي الدكتور عبد اللطيف المصدق

    إن موضوع التدوين لمن أهم المواضيع التي قد يستصغرها الكثيرون ممن لا علم لهم بما يقع في الساحو الثقافية . وإننا لواثقون أن يوما سيأتي ويكون فيه التدوين العربي في المقام الذي كان يحتله إبان حياة الأجداد. وخصوصا حين يكون هناك من يسعون إلى تحقيق ذلك أمثال أستاذنا عبد اللطيف المصدق. فتحية خاصة لك وننتظر المزيد دائما

  5. domta lana ya ostadi hada ma a9diro ala 9awlih li anni lasto fi mostawak aw mostawa kalimatik li obdi rayyi hada ntiba3i fa9at taliboka wa bnoka kaoun farid

  6. [...] في الغالب من البذاءة والضحالة والإسفاف، وعلى نظام البريد المزعج الذي يعلق بالبريد الإلكتروني كما الغبار والدخان. وقد [...]



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر